السبت، 10 يناير 2009



مرحباً بك في مدونة الكاتب علاء محمود ...... أخر الإدراجات .. المجُابهة .. قصة قصيرة وتعليقات الأدباء عليها ...... اعذريني ومخاوف آخرى .. مجموعة قصص رعب ستصدر قريباً عن دار أكتب




اسم الكتاب: اعذريني ومخاوف آخرى.
الكاتب : مجموعة كتاب.
نوعيّة العمل : مجموعة قصصيّة رعب.
تصميم الغلاف للفنان الشامخ.
التقديم :
هل تريد أن تعرف ماذا (حدث ليلا) ؟ ..
أن تكون رفقة (ضيوف المقابر) ؟ ..
أن تكتشف (سر الورقة الحمراء) ؟ .. أو أن تتعرف على وحش قادم من المغرب الأقصى ؟ ... قصص رعب بأقلام شابة .. تحملك إلى جو الكآبة الطاغي ..تنقل لك الإحساس الرهيب بالسقوط في هاوية بلا قرار قصص لها مذاق الرعب .. ورائحته .. ولون الدم

اعذريني ومخاوف آخرى - مجموعة قصص رعب - من إصدارات دار أكتب



المُجابهة ... قصة قصيرة + تعليقات الأدباء عليها .












اعذريني ومخاوف آخرى - مجموعة قصص رعب - قريباً في معرض الكتاب ومن إصدارات دار أكتب


759317
مجموعة قصص قصيرة تنتمي كلها لأدب الرعب، لمجموعة من الشباب الذي يسير بخطى حثيثة - نتمنى - في أثر أستاذي الرعب في العالم العربي د.أحمد خالد توفيق و د.تامر إبراهيم


dar2yo


هل تريد أن تعرف ماذا (حدث ليلا) ؟ ..

أن تكون رفقة (ضيوف المقابر) ؟ ..

أن تكتشف (سر الورقة الحمراء) ؟ ..

أو أن تتعرف على وحش قادم من المغرب الأقصى ؟ ...

قصص رعب بأقلام شابة .. تحملك إلى جو الكآبة الطاغي
..
تنقل لك الإحساس الرهيب بالسقوط في هاوية بلا قرار

قصص لها مذاق الرعب
ورائحته

ولون الدم


مقدمة

شكر وتعريف
بفكرة بسيطة هي أن نجمع مواهبنا سويا لننشر معا, وبالتعاون مع دار أكتب أتى هذا الكتاب.
ويجب أن نوجه الشكر لمن ساعدونا وأولهم أستاذ يحيى هاشم مدير الدار والكاتب محمد إبراهيم محروس والقاصة السعودية زينب البحراني والكاتب د.محمد الدواخلي والكاتب الساخر عمرو عز الدين والقاص أحمد رشاد والروائي أحمد خشبة.
كل هؤلاء منحونا مساعدتهم وتشجيعهم لفكرتنا البسيطة: لنكتب سويا وننشر معا. الفكرة التي نجحت مع (نقطة ومن أول السطر) فأكملنا من حيث انتهوا بمجموعة قصصية متخصصة في أدب الرعب, وبإذن الله نتبعها بتشجيعكم بأعداد أخرى.
مع تحيات
مجموعة مواهب


مقتطف من قصة ( حدث ليلاً ) للكاتب : علاء محمود

أنفتحت النافذة بعنف شديد وأصطدمت بالحائط ليتهشم زجاجها بدوي مزعج مزق سكون الليل ، وأندفعت موجة شديدة البرودة إلى الداخل ، لتزيد من رجفتي ..

شعرت بدقات قلبي تدق في عنف ، وهتفت لنفسي : يكفي هذا الآن .. سأغادر هذه الشقة الملعون ..

هممت بمغادرة المكتب عندما أنغلق بابها في وجهي بمنتهى العنف ..

وهنا فقط بدأت الأحداث المرعبة ..




فهرس المجموعة القصصية

للخوف مواهب كثيرة قد تثير الرهبة أو الفزع أو حتى الإعجاب. إن كانت لديكم الشجاعة للتعرف عليها فهلموا بين أنياب مواهبنا, فستجدون فيها:

1. اعذريني
2. ضيوف المقابر
3. حدث ليلا
4. كانت تعرف
5. العجوز
6. بيت قديم
7. تحرر
8. سر الورقة الحمراء
9. صفير الشيطان
10. بو جلود
11. مجرد بيت
12. حكاية زواج
13. أرض الظلال
14. حكايات ليلية
15. رائحة الدماء
16. الساحرة
17. وحوش مدينتنا

الجروب الخاص بالمجموعة القصصية

المُجابهة ... قصة قصيرة + تعليقات الأدباء عليها .




ذو صحة جيدة إذا قيس بعمره ، طويلاً ناحلاً ، واختفى أديم وجهه تماماً تحت التجاعيد ، وبرزت عظامه وتحددت كالجمجمة ، وفي عينيه غارت نظرة حازمة . في شبابه كان صلباً . الآن يهفو إلى تلك الصلابة .
أخذ يجدف بأصابع يهرؤها البرد ، والأمواج تلطم جانبي القارب الخشبي المتهالك . البحر شاسع ، مهجور ، موحش .
أقترب ببطء من الجزيرة الصخرية الجرداء . ثبت القارب جيداً بحبل غليظ ، وفي ذات الحبل ربط بداية حبل رفيع متين ، وقيد قدمه بنهايته . خلع سترته لتكشف عن (بول أوفر ) مثقوب في عدة مواقع . خلع نعليه . أشعل مصباحاً يدوياً مغلفا بالسلوفان . عبأ صدره بالهواء ، وغاص في أعماق المياة الباردة . الرجفة أعتلت أوصالة . غاص أكثر .الأعماق سوداء مدلهمة . المصباح كنقطة شاحبة يسبر أقل القليل . يعلم وجهته ، أو هو يأمل ذلك .
هو ليس تحت رحمة أحد . لقد عركته الحياة وعرف الكثير . هل يتأت من هما أصغر منه ليحددا له مصير حياته ؟ لن يسمح بذلك أبداً . سيكون هو كما أراد ، أو يهلك .
الأكسجين يكاد ينفذ من رئتيه . يغوص أكثر . يتلمس القاع . ينبش . يبحث . الرمال تثور ، والبحر كذلك . يشعر به وهو يرجه كطفل صغير يلهو بدميته .
كيف يلقيه حسان هكذا مجرداً من كل شيء ؟ هل تناسى أنه طوال أربعون عاماً يمارس مهنته ؟ يعلم الكثير . ذو خبرة كما تذكر الجرائد . هل تناسى أنه أول من فكر في ذلك العمل ؟ ولولا أن صديقه يملك المال ما كان الآن بمثل هذا السوء ، السوء الذي جعل عمار يهدده بالطرد من منزله ذو الحجرة المتفردة ، والصالة التي تشبه القبر . لا لن يدع حياته في يديهما . لعنة الله عليهما .
يصعد . يملأ صدره . يغوص . الأعماق تلتمع بالأزرق . أنه البرق . طنين الرعد يصله عبر أوتار الماء . أين أنتِ أيتها اللعينة ؟ أرجوكِ الوقت ليس في صالحي . القيد يشده بقوة . كاحله يكاد يتمزق . الألم يسرى بقدمه كالنار في الهشيم . يحاول التشبث بالقاع . لايجد غير الرمال التي ثارت وتلاشت بين أصابعه . يلمحها . أبتسامتها السرمدية تعلوها . يقبض عليها بشوق ، وشغف ، ونشوة ، وهيام . رآها منذ بضعة أيام عندما كان يغطس . خلبت لبه بحجمها وندرتها . أثنى على نفسه الآن أنه تركها ودفنها لحين الحاجة . لا يوجد من هو أحوج منه الآن . هتف بأعماقه وبفرحة طاغية : أنا لم أشيخ بعد يا حسان . لقد غطست في هزيج الليل . لم يمنعني برد ولا رياح . أنت أحمق يا حسان . أحمق لأنك لا تعرف قدري . لا تعلم ما أنا قادر على أتيانه . لقد أنتصرت عليك .. وأنت يا عمار . هل تظن أن مأواي الجنة ؟ هي رفات موتي ، وقبر حياتي . أحمق أنت الآخر . بدلاً من أن تزهو بين الناس أنني أقطن في منزلك .. تبحث عن مالك . سأترك لك قبرك تمرح فيه . يوم تجدني من أكبر التجار ستلعن نفسك ألف مرة . هذا حق ، وهذا ما سيكون .
صعد بنشوة تعتري بدنه . تنفس هواء الحرية ، وتوجه إلى القارب .
هاله ما رآى . القارب ممزق إلى ألف قطعة ، ويبعد قرون. السماء صارت غيوماً رمادية . القمر تلاشى تماماً . البحر يرغي ويزبد . يلطمه بقسوة ويدفعه لأسفل . يهتف لنفسه مذعوراً : أنا من هو الأحمق . ماذا سيضيرني من أنتظار بضعة أيام ؟ لا ما كان عمار ليصبر . الغد ميعاد ألقائه لي على قارعة الطريق . لا بل هو اليوم . اليوم بدأ ولن ينتهي . لقد أنتصرتما . نصرتكما ليست لكما . لا وألف لا .
ملأ جسده بالعزم ونقله إلى ذراعيه . ضرب الماء بقوة . لطمة وراء لطمة . الصخور تبتعد بدلاً من ان تقترب . الماء يثور ويمسك بقطع القارب المحطم . يضرب بها الصخور بقوة وجبروت . العجوز يدفع جسده بقوة إلى الأمام . البحر يلطمه في صدره بقوة كاسحة ، ويلقيه إلى الخلف . يحاول التقدم . البحر كوحش فاغر فاهه ؛ يلقي الماء بعنف ويلطم به رأس العجوز . رأسه تدور ، وعيناه تدور في محجريهما . من كثرة الجهد ينشد الراحة ، والبحر من ثورته ينشد كل ما على سطحه . المطر يهبط . بقوة يهبط . كقنابل تهوي وتتفجر . السواد يجثم ، والرياح تركض . العجوز صار في قلب الجحيم . جحيم بارد مائي . يحاول أن يلملم شتات نفسه المبعثرة على صفحة الماء . الموج يرتفع كالطود . كعملاق يدهس العجوز بقدمه. اليأس يدب في خلاياه . يسكن قلبه . يغزو عقله . الماء يغزو جوفه . يعب الهواء عباً . لن يسمح بأي احد ان يحتله . يغلق عينيه . يحاول تحديد جهاته . أين الشاطي ؟ يبحث عن الجزيرة الصخرية ليتيقن من الأتجاه . الموج يغشى بصره وبصيرته . الظلام كذلك . قوى الطبيعة تتوحد لهزيمته ، ومن هو ليهزمها ؟ يسكن جسده . يستسلم للمعركة . يترك نفسه لتلهو بها الأمواج ، وتعبث بها الرياح .
تساءل : ترى هل ما زالت زوجته تنتظره على العشاء ؟ أم أستسلمت للنوم من كدها طيلة اليوم . مسكينة أنتِ يا عزيزتي . ستُطردين وتترملين في آن واحد . آلا يكفي أن الموت اخذ أبنتنا تاركاً لنا صغارها ، وزوجها ذهب باحثاً عن آخرى . الصغار هل تقوتوا ؟ هل وجدتي شيئاً صالحاً للأكل ؟
ألتمعت أخاديد وجهه بالماء . لا يعلم أهو البحر حقاً أم أنها دموعه . كلاهما مالح .
العجوز مكبل بألف قيد . فاقد الأتجاه . يأس . واهن . محطم النفس . إلى الأعماق يهبط . يحرك قدميه . يدفع جسده . يحاول التحرر من معتقل الطبيعة . الماء ينزاح ويكشف عن هواء يتدافع إلى صدره . البرودة ترجف كل خلاياه . تجمد دمائه ، وتجمد كيانه . قلبه يخفق في سرعة . يسخن عروقه في محاولة لأذابة الجليد . العضلات تستسلم . تتيبس . العقل يأبى . يحاول شحنها بالطاقة . العجوز يعاود الكرة . يراوغ الطبيعة . عقله يدفع في جسده النشاط ، وقلبه يحاول منحه كماً وافراً من التدفئة . عضلاته تستيقظ من سباتها وتتمطى نافضة عنها الخمول . ينجح في التقدم قليلاً . لا يعلم هل هو بالأتجاه الصحيح ، أم الأمواج أدارته إلى أتجاه آخر ؟ يتقدم غير مبال . بالأرادة يتقدم . الأمواج تجذبه يميناً ويساراً . تؤرجحه . سياط مائية تنهال عليه ، والبرودة تحاول أن تصنع منه تمثالاً ثلجياً . تحفر الأصابع ، وترسم العضد والزند . القلب يستميت كي يشرخ ما صنعته يديها . قبضة جليدية تعصر القلب . تثبط نشاطه وحيويته . يوهن وتتضاءل قواه . يخفت ، وإلى طريق الهلاك يهوى . الجسد تقل حركته . يسير في طريق القلب . العقل يشعر بالعجز . بيده يجاهد لأنتشال القلب والجسد . يحاول أن يعيدهما بجواره . يثقلان كاهله ويجذبانه معهما . إلى الأعماق الكل يسقط . أصابع تخترق قلب البحر . يتبعها جسد . العجوز يرفض أن يرفع راية الهزيمة . سائر الجسد يسانده . يعمل متضافراً في سبيل الأنتصار . الرياح تزيد الأمواج قوة . العجوز يشق الأمواج . يهزمها واحدة واحدة . الجيش لا يحصى . العجوز لا يُقهر . صار مقاتلاً صنديداً . بكفاه يلطم موجة وراء موجة . الشاطيء يلوح من بعيد ، والعجوز بعزم يتقدم .

**

أشرقت شمس الصباح حامية كعادة المناطق القريبة من خط الأستواء . نشرت أشعتها الذهبية ، وجففت بنشاط أثار الأمس العاصف . وعلى الشاطيء الرملي أنسحبت الأمواج بنعومة ودعة بعد أن بللت أطراف الشاطيء ، وهدأت ثورتها .
أقدام كثيرة نشطة ، قلقة ، تتجمع كغابة من الأشجار . أيادي عديدة بحسرة تتلمس قطع ملقاه من الخشب . يد تنتشل سترة أثرية من الجلد . صوت يعلو بحزن : لقد قضي العجوزالمسكين نحبه .
صوت آخر : لقد أخذ أحد قوارب المعلم حسان . القارب لم يعُد يصلح حتى لصناعة مقعد .
تأمل المعلم حسان الجمع المحتشد ، وركع يتفحص أجزاء القارب ، وقال بأسف صادق : كم كنت أقدره وأحترمه .
صاح عمار بثورة : الآن تحترمه ! بعد أن أبعدته عن العمل لكبر سنه ، تبكيه الآن !
وجم حسان ودهش ، وقال بحيرة : أنا ! أنا أعلم الناس به ، وكنت سأنصبه شيخاً لصائدي اللؤلؤ . أنه أنت . نعم أنت الذي هددته بالطرد . أتسكنه أحقر مكان ، وتهدده لتأخره عن سداد الإيجار .
هدر عمار بعنف ، وقال : ماذا كنت تريدني أن أفعل بعد أن علمت أنه صار بلا عمل؟ أنت من تسببت في كل هذا . أنت من تسببت في إبحاره ليلاً بقانونك الظالم ، وحراسك الذين يجوبون الشاطي يمنعون من يرغب في الصيد غيرك . هل ملكت البحر وخيراته ؟
حفر الحزن ملامح حسان ، وترقرقت عينيه بالدموع ، وغمغم في خفوت : حقاً أنا السبب .. أنا من قتلته .
أطرق راسه بندم وأستطرد : أغفر لي يا الله .

**
على الجانب البعيد من الشاطي ، تمددت جثة العجوز . الطحالب تتخللها وتتعانق مع شعره المشعث . البلل يحتل أجزاء من ملابسه ، وأجزاء آخرى جففتها آشعة الشمس.
حركة بسيطة ندت عن أصابعه . بسيطة للغاية لا تكاد تُرى .
الحركة تتضخم . وذراعه تتحرك . تتحسس طيات ملابسة في حذر ، وتخرج قابضة على محارة كبيرة الحجم .
العجوز يتحرك بوهن . يفتح المحارة ويتأمل اللؤلؤة البيضاء المشربة بلون وردي. على وجهه تعلو علامة ظفر .
لقد أنتصر .

















































































فن الرواية ..


123140

فن الرواية
- فنّ أدبّي نثريّ يمتاز عن بقيّة الفنون الأخرى بخصائصه وعناصره المكوّنة له .وهي حكاية حدث أو حوادث مترابطة تجري في بيئة معينّة .

– عناصر الرواية :

1- الموضوع : يختار الكاتب موضوعه من تجاربه الخاصّة ,أو من الشخصيّات,أو المواقف الّتي عرفها ,أومن ثقافته الّتي تمدّه بألوان مختلفة من التجارب والمعارف ,أو من التاريخ ,أو الوثائق ,وفي هذا الموضوع يتناول الكاتب بالنّقد مجتمعه ,ومآسيه ,وتقاليده ,وطبيعة تركيبه ,وتطوّره مثل : الرواية الاجتماعيّة مثل : بداية ونهاية لنجيب محفوظ . أو يتناول الكاتب موضوعا مستمدا من التّاريخ فتكون القصّة تاريخيّة مثل : روايات معروف الأرناؤوط . وقد يستمدّ الكاتب موضوعه من نضال الشّعوب والأحداث الوطنيّة مثل قصّة /الطريق إلى برك سليمان / لسميرة عزّام .

2- فكرة الرواية : هي وجهة نظر الكاتب في الحياة وبعض مشكلاتها فهي الأساس الّذي يقوم عليه البناء الفنيّ للقصّة,وكل عناصرها أدوات للكشف عن الفكرة تستخلص بعد قراءة القصّة وتمثيلها وعلى الكاتب أن يتجنب الأسلوب المباشر في طرح فكرته وإلا سقطت القصّة في هاوية الوعظ والإرشاد .

3- العمل االروائي/الحدث والحبكة/ :

أ- الحدث الروائي : هو الموقف البشريّ أو مجموعة الأعمال الّتي يقوم بها أبطال القصّة ويعانونها . وهناك أنواع من التصميمات لعرض حوادث القصّة :
1- النّوع الأوّل : النّوع التّقليديّ حيث ترتب الحوادث بشكل طبيعيّ مثل / عودة الرّوح / توفيق الحكيم .
2- النّوع الثّاني : يبدأ فيه الكاتب قصّته من حيث يجب أن تنتهي ,ثم يعود لقصّ الأحداث مثل : /السّراب/ لنجيب محفوظ.
3- النّوع الثّالث : يبدأ فيه الكاتب الحوادث من منتصفها, ثم يعيد كلّ حادثة إلى أسبابها مثل: /اللّص والكلاب/ لنجيب محفوظ


ب- الحبكة الروائية : وهي فنّ ترتيب الحوادث ,وسردها ,وتطويرها بحسب منطق الحياة والواقع وللحبكة نوعان :

1- الحبكة المحكمة : تقوم على حوادث مترابطة متلاحمة تسير في خطّ واحد وتتشابك شيئا فشيئا حتى تبلغ الذروة ثم إلى الحلّ مثل / بداية ونهاية/ نجيب محفوظ . 2- الحبكة المفككة : تعني أن يأتي الكاتب بأحداث متعددة غير مرتبطة برابط وإنّما هي حوادث ومواقف وشخصيّات متفرّقة مثل:/زقاق المدق/ نجيب محفوظ .

4-البيئة : وهي مجموعة القوى والعوامل والأشياء الثّابتة والطارئة الّتي تحيط بالفرد ,وتؤثّر فيه والبيئة هي الإطار المكاني للقصّة وفيها مؤثرات تحدد سبل معيشة الإنسان ,وشخصيته ,وطبعه. ويأتي اختيار الكاتب للبيئة مدروسا ومحكما , ونلاحظ كذلك تأثير البيئة على شخصيّات القصّة مثلما أثّرت البيئة البحريّة في شخصيّة الطروسي في /الشّراع والعاصفة / لحنّا مينه .

5- الشخصيات : مصدر الحوادث في القصّة ,وعصب الحياة ,ومحور الحركة ,فهي الّتي تقود القصّة بتصرفاتها المختلفة , ويستمدّ الكاتب شخصيّاته من الحياة دون تقليدها بشكل تامّ . و يمكن تمييز نوعين من الشخصيّات :

أ- الشخصية النّامية : وهي الشخصيّة المتطوّرة في الحدث والّتي تتكوّن بتمام القصّة ,وتخرج في نهاية القصّة وقد تفاعلت مع الأحداث, وتبدّلت إلى صورة أخرى .

ب- الشخصيّة الثّابتة : ذات بعد واحد ,وهي شخصيّة مكتملة لا يحدث في تكوينها أيّ تغيير. مثل : شخصيّة رضوان الحسينيّ في/ زقاق المدقّ / .

6- الأسلوب / النّسيج الّلغويّ / : لكلّ كاتب أسلوبه المميّز في صياغة قصّته بشكل يؤدّي وظيفته في التأثير والتصوير ,وأبرز صفات الأسلوب القصصيّ النّاجح هي : البساطة والوضوح .

ويشمل مايلي :

أ- السّرد : نقل الحدث من الصّورة الواقعيّة أو المتخيّلة إلى الصّورة الّلغويّة ,وللسّرد ثلاث طرق :

- الأولى : المباشرة :يؤرّخ فيها الكاتب لظواهر وأعمال صدرت عن أشخاص مثل :/ذهاب وإياب/صبري موسى .

- الثانية : السّرد الذّاتّي : يتحدث فيها الكاتب بواسطة ضمير المتكلّم مثل / ليلة حافلة/إبراهيم المازنيّ .

- الثالثة : الوثائق : يعرض فيها الكاتب الحوادث بوساطة الرسائل أو المذكّرات أو الاعترافات .

ب- الوصف :الوسيلة الّتي يرسم الكاتب بها جوانب البيئة ,و يصوّر الشخصيّات وهيئتها وأحوالها النفسيّة

ج- الحوار : وسيلة اتصال شخصيّات القصّة ببعضها بعضا .وللحوار عدة وظائف : 1- الكشف عن أعماق الشخصيّة ومستواها الفكريّ والنفسيّ والاجتماعيّ . 2- يطوّر الحوادث
- يستحضر الحلقات المفقودة للإعلام عن حوادث هامة أو ثانويّة سابقة .4
- يساعد على حيوية المواقف, ويستجيب للجدل والمناقشة .


- ومن صفات الحوار :
1- أن يكون ملتحما بكيان القصّة حتى لا يكون عنصرا دخيلا
2- أن يكون مناسبا للموقف ,ولمستوى الشخصية ومكوّناتها
3- أن يكون سلسا رشيقا موجزا مشتملا طاقات معبرة
4-أن يكون قريبا من واقع الحياة بعيدا عن الثرثرة والعامية .

القصة القصيرة جداً ..


492whe



ربما لم يُختلَف على لون أدبي كما اختُلِفَ على القصة القصيرة جدًّا، وربما لم يحظ فن من فنون كتابة القصة بكل هذا التطرف في الآراء بين مؤيد بجنون ورافض بعنف كما حظيت بذلك القصة القصيرة جدًّا..

وإذا كان فن القصة القصيرة كما يرى جابر عصفور فنًّا صعبًا لا يبرع فيه سوى الأكفاء من الكُتَّاب القادرين على اقتناص اللحظات العابرة قبل انزلاقها على أسطح الذاكرة‏,‏ وتثبيتها للتأمل الذي يكشف عن كثافتها الشاعرية بقدر ما يكشف عن دلالاتها المشعة في أكثر من اتجاه. إذا كانت القصة القصيرة كذلك؛ فإن فن القصة القصيرة جدًّا أكثر صعوبة؛ لأنه مطلوب من القاصِّ أن يُحقق ذلك في أقل عدد من الكلمات، ويُحاول مبدعه من خلاله أن يقدم نصًّا سرديًّا مكتنزًا في عدد قليل من الكلمات لا يتجاوز مائة كلمة في أغلب الأحوال.

والقصة القصيرة جدًّا ليست وليدةَ السنوات الأخيرة وحسب؛ فـزكريا تامر –مثلاً- يكتب القصة القصيرة جدًّا إلى جانب القصة القصيرة من السبعينيات، ومن قبله كتب جبران خليل جبران منذ ما يزيد على 80 عامًا في مجموعته التي كانت تحمل عنوان (المجنون)، فقد كتب وقتئذٍ مجموعة قصص قصيرة جدًّا مستوفِيَة جميع الأركان والعناصر التي يتطلبها هذا الجنس الأدبي، والتي يذهب إليها معظم النقاد على قلَّتهم في الوقت الحاضر؛ فتَحْت عنوان (الثعلب) كتب ما يلي:

خرج الثعلب من مأواه عند شروق الشمس، فتطلع إلى ظله منذهلاً، وقال: سأتغدى اليوم جملاً، ثم مضى في سبيله يفتش عن الجمل الصباح كله، وعند الظهيرة تفرَّس في ظله ثانية، وقال مندهشًا: بلى.. إن فأرة واحدة تكفيني..

والقصة القصيرة جدًّا مع اعتمادها على عناصر القصِّ من شخصيات، وأحداث، وزمان، ومكان، وحبكة، ونهاية نراها تمتاز بقدرتها على التكثيف الدلالي، وإثارة التأويلات المختلفة، وعنصر المفارقة فيها يحكم استراتيجية النص التي يبغي الكاتب أن يُبرزها بوعي، وتستطيع فاعلية القراءة لاحقًًا أن تُشارك الكاتب في تفعيل النص وإثراء دلالاته.. هذا الفن يؤكد على القيم الإنسانية التي تنطوي عليها‏ الكتابة الصادقة,‏ التي تتشوق للعدل والحرية‏,‏ وتنحاز إلى المظلومين والهامشيين، وتحاول أن تغمس مِدادها في جراح مجتمعها؛ لتكشف عن الأدواء السياسية والاجتماعية التي تستشري، وتصور الهامشيين الذين آن لهم أن ينتصفوا في شعرية شفيفة، أو سخرية مُخادعة تستطيع أن تنجو بهما دائمًا من القمع والمصادرة.

وليست القضية -كما ينبغي أن تكون- قضية تغيير حجم النص المقروء فحسب من الحجم الكبير إلى حجم أقل في القصَّ.. فالرغبة الملحة في التغيير لا بد أن يكون وراءها دوافع جوهرية نابعة من متغيرات الحياة التي نعيشها..

القصة القصيرة جداً والدلالة:

إن أهمية القصة القصيرة جدًّا تكمن في أن نصوصها الجيدة تكشف عن تعدّد حقولها الدلالية، وتُساعد القارئ على إعادة إنتاج الرمز الذي ينهض به وعليه؛ أي فيما يتصل بحال الرسالة التي يُريد المبدع إيصالها إلى المتلقي (أو المتلقين) سواء أكانوا أفرادًا، أم مجتمعات.. قد يبتعد الإنسان قليلاً أو كثيرًا عن النص السردي الطويل؛ فهمًا لمراميه أو تذوقًا لجمالياته؛ لأنه يحتاج إلى ساعات طوال، قد لا يكون تركيزه أثناء القراءة على الدرجة نفسها من الانتباه والتيقظ من بداية النص إلى منتهاه، لكن قصر نصّ القصة القصيرة جدًّا، الذي يجعل القارئ يطالعه في دقيقة واحدة أو بضع دقائق إذا أعاد تأملها أو قراءتها، يُتيح لـه التعايش مع النص، وتذوقه تذوقًا أقرب إلى الاكتمال.

يقول غسان كنفاني:

لنتفق أولاً على أن مصطلح القصة القصيرة جدًّا، وما يندرج تحت هذا العنوان لا يعني أن من طرحوه يبتدعون لونًا أو منهجًا أو جنسًا أدبيًّا جديدًا، ولو عدنا إلى كثير من النصوص القديمة بدءًا مما جاء في القرآن الكريم، وكتب السلف، ومواقف الظرفاء، والشعراء، وأصحاب الحاجات في بلاطات الأمراء، وما تمخّض عنها من حكايات لم تكن تتجاوز الجمل القليلة، ولعل كتاب (المستطرف في كل فن مستظرف) لمؤلّفه الأبشيهي خير مثال.. وكذلك بعض النصوص التي جاءت في كتب الخلف، وأكثرهم من الكُتاب الكبار محليًّا وعالميًّا، لوجدنا عشرات من النصوص أمثلة تصلح لتكون قصصًا قصيرة جدًّا، سمعناها أو قرأناها، وقبلناها؛ لأنها –ببساطة- حملت إلينا متعة القصّة مستوفيةً الشروط الفنيّة، ووصلتنا سهلة. دون أن يفرضها علينا أحد تحت عنوان قصّة قصيرة جدًّا، وكأنه مصطلح يوحي بابتداع جنس أدبيّ جديد.. ولعل الكلمة الوحيدة المبتدعة، والتي أثارت جدلاً بدأ ولم ينته هي كلمة جدًّا

أما سمات فنّ القصة القصيرة جدًّا فهي:

التكثيف:

يعمد كتاب القصة القصيرة جدًّا إلى الجمل القصيرة المكثفة التي تصور عالمًا رحبًا تتسع دلالاته مع كل قراءة جديدة.
تقول فوزية الشدادي في قصة (خيانة):
بعد عودته من رحلته مكث طويلاً أمام الباب يحاول فتحه. كان الباب قد كبر، وكبر، وما زال المفتاح صغيرًا!!!!

إنها قصة تسرد عالمًا من المشاعر المتناقضة التي يُحدثها الغياب المادي والمعنوي. وهي في قصتها التي تتصف بنوعٍ عالٍ من التكثيف ترينا أن هذا الغياب مثَّل خيانة، ومن ثم فقد جوزي هذا الغائب عند عودته بعدم القدرة على التماسّ مع الآخرين.

وفي قصة حورية البدري (للبيع) تستبطن تجربة صوفية، وتُريد أن تنقلنا إلى تجربة معيشة في كلمات قلائل:
قال سهل التستري: سجدت.. وعندما نهضت من السجود ؛ ظل قلبي ساجدًّا.
أحببت الحالة.. وأحببت سهلاً التستري في الله.
حاولت الوصول للحالة كثيرًا.. كانت النتيجة في كل مرّة مختلفة.. شيء واحد كان يحدث دائما.. كنت أجد فاكهة الصيف والشتاء في مطبخي دون أن أذهب إلى السوق.. لا بيع ولا شراء.. لا حاجة بي لذلك.. فكل شيء هنا!..

إنها تتحدث عن نوع من المُجاهدة النفسية، قد نستصعبه معنويًّا، أو نرفضه موضوعيًّا أو عقديًّا، كعالم ينبتُّ عن الحياة أو العقيدة، لكنها استطاعت أن تنقله في عدد مكتنز من الألفاظ، وبه استطاعت أن ترينا أن عالم القصّ الروائي يعدُّ أقرب الأشكال الأدبية اللغوية لحركة الحياة، فهو عالم مصغر لعالمنا، وهو يقف موازيًا له وقريبًا منه. والفرق بين عالم القصة الخيالي وعالمنا التجريبي: أن الأول محدود ومُركَّز وأكثر حبكة ونظامًا في حين أن عالمنا التجريبي عالم واسع وعريض، وتختلط فيه الأمور اختلاطًا قد يصل إلى حد التهويش وغياب المنطق، وبعبارة أخرى فإن عالم القصّ عالم متخيل ومصنوع صنعة محكمة في مقابل عالمنا الواقعي الذي تسير فيه الأمور مشتتة، كما يحلو لها أن تسير.

لكن محاولة التكثيف لدى القاصّ قد تصيب الحدث في مقتل، ومنه هذا النص لـجبير المليحان بعنوان (رثاء):
ظل صامتًا، وهي تضع في الحقيبة ما تبقَّى لها من حياة. التقت عيناهما، وقالتا كل السنين، وهي تغلق الباب. تَـلَفّتَ في جسد الصالة الخاوي، وأعناق الزوايا المتهدلة، وأكوام الذكريات اليابسة، وتشعب ألم البكاء في قلبه..

هذه القصة ومضة، ومع تكثيفها أرى أنها لم تتم، فالقصة القصيرة جدًّا، لا بد لها من حدث مكتمل، يشير ولا يصرح، وهذا النص تنقصه ومضة.. إشارة.. جملة ما.. حتى يصير النص قصة قصيرة جيدة مكتملة، كقصص جبير المليحان الأخرى.

الشعرية:

والشعرية تتدفق في القصة القصيرة جدًّا من انهمار لغوي لا يستمد عذوبته من فصاحة الكلمات، ولا من صليل الإيقاع اللغوي الجهير، وإنما من موسيقى الحياة الأليفة، وهي تغمرك بضباب حلو من تفصيلات حية تتفتح عنها ذاكرتك، وأنت تمتزج بها، وأنت تقرأها، فتحقق بينك وبينها درجة عالية من (التماهي) يُساعد عليه السارد عندما يعبّر عنك وهو يصف موقفه وشخوصه بصدق بالغ.. كما يقول الدكتور صلاح فضل في كتابه (أساليب السرد في الرواية العربية).

وهذا ما يحاول مبدع القصة القصيرة جدًّا -أن يُقدمه من خلال مقدمات عادية؛ لتبني عليها رؤية مُفارقة -تُريدُ أن تقول كلامًا آخر- كما تقدمه هيام صالح في قصة قصيرة جدًّا بعنوان (بالألوان) هذا نصُّها:
حين أدرتُ تلفاز أحلامي.. جاء العرض باللونين الأبيض والأسود.. ظللتُ أتململ.
فجأة اصطبغت الشاشة بلونٍ واحد.. الأسود فقط. كانت الأيدي تُكبِّلني لمقعدي حتى أستمر لنهاية العرض الحزين.

ومن القصص التي تبرز فيها الشعرية قصة (الأرض) لـجبير المليحان، التي تتناول الحياة الإنسانية وإشكالاتها، من خلال نص موغل في البساطة:
أخذ الطفل الصلصال، وصنع منه كرة كبيرة، وضعها في منتصف ألعابه.. تسلقتها الأسود، والنمور، والقطط، والأطفال، والفراشات، والسيارات، والطائرات.. فاجأته أمه وهو يُعينها، ويُثبتها في أماكنها، مُصدِرًا أصواتها الخاصة..
ـ ما هذا؟
ـ هذه الأرض!
وأشار إلى موقع بيتهم فيها: كان سريره هناك.
بعد قليل، عادت الأم على صراخه الحاد، شاهدته يرفع قبضته محتدًّا، ومنتحبًا:
ـ لقد داس أخي الكبير الكرة وهو يمرّ من هنا!
كانت كرة الصلصال تلتصق بالأرض، والسكان يتناثرون.

المُفارقة التصويرية:

عرف النقد العربي القديم والبلاغة العربية القديمة لونًا من التصوير البديعي القائم على فكرة التضاد، وقد عولج تحت اسم (الطباق) في صورته البسيطة، و(المُقابلة) في صورته المركبة، أما (المُفارقة التصويرية) فهي طريقة في الأداء الفني مختلفة تمامًا عن الطباق والمقابلة، سواء من ناحية بنائها الفني، أو من ناحية وظيفتها الإيحائية؛ وذلك لأن (المفارقة التصويرية) تقوم على إبراز التناقض بين طرفين كان من المفروض أن يكونا متفقين، والتناقض في المُفارقة التصويرية فكرة تقوم على استنكار الاختلاف والتفاوت بين أوضاع كان من شأنها أن تتفق وتتماثل، والأديب المعاصر يستغل هذه العملية في تصوير بعض المواقف والقضايا التي يبرز فيها هذا التناقض؛ ليلفت نظرنا إلى شيء يريد إبرازه، أو فكرة يُريد توضيحها.

ومن هذه القصص التي تعتمد على المفارقة التصويرية قصة (سوء تشخيص!) لـأحمد جاسم الحسين، ونصها:
أشارت التحليلات الأولية إلى احتمال أن تكون الكتلة الموجودة في بطنه سرطانية..

لما أجريت العملية كانت المفاجأة عالية؛ إذ وجدوا مجموعة من الخطابات والشعارات والصور المنشورة في جريدة رسمية..

ومن استطلاع أكثر من 100 نص شملتها دراسة الأستاذ الدكتور حسين علي محمد، وجد أن نحو 40 % من النصوص التي خضعت للدراسة تتناول أُفقًا سياسيًّا، بينما نحو 36 % منها تتناول أفقًا اجتماعيًّا. ومن هذه القصص ذات الفضاء السياسي قصة (فيلم أمريكي حار) لـعدنان كنفاني، وهذا نصها:
جاء مبحرًا من شواطئ بعيدة..
كأنه فوجئ بكائنات بشرية ما زالت تعيش في الخيام، وتركب الحصان، وتلبس الجلود.
التقط رشاشًا من مجموعته المختارة، وحصد منهم بعدد الرصاصات..
عندما هبط الظلام، عاد هندي نجا من المجزرة يزحف على بطنه. دخل إلى خيمته المحّتلة، وجد الرجل الأبيض ينام عاريًا على فراشه..
استلّ سكينه بهدوء، وحّز رقبته، ثم سلخ فروة رأسه..
صرخ العالم المتحّضر:
ـ إرهابي..

فقد يجيء الطرح السياسي مباشرًا كما في القصة السابقة، التي تتناول قضية الإرهاب كما يراها المحتلّون العابثون بالأوطان الصغيرة، بينما ما تفعله هذه الأوطان المحتلة المستضعفة، هو مقاومة لإرهاب المحتلين، فالمحتل والمستعمِر هو الإرهابي..
وقد يجيء الطرحُ السياسي من خلال لغة هامسة تُدين أحزاب التسلط، التي لا تقيم وزنًا للإنسان واحتياجاته. ونجد هذا في قصة )انتظار امرأة( لـزكريا تامر؛ حيث يُطلعنا على مأساة إنسان وُلِد دون رأس، فعاش سعيدًا!!، ويتمنى هذا الشخص أن ينتج شعبًا من السعداء بلا رؤوس!!

وُلِد فارس المواز بغير رأس، فبكت أمه، وشهق الطبيب مذعورًا، والتصق أبوه بالحائط خجلاً، وتشتتت الممرضات في أروقة المستشفى.
ولم يمت فارس كما توقع الأطباء، وعاش حياة طويلة، لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم ولا يتذمّر ولا يشتغل، فحسده كثيرون من الناس، وقالوا عليه إنه ربح أكثر مما خسر.‏
ولم يكف فارس المواز عن انتظار امرأة تولد بغير رأس حتى يتلاقيا وينتجا نوعًا جديدًا من البشر آملاً ألا يطول انتظاره..

ومن القصص القصيرة جدًّا ذات المنحى الاجتماعي -التي تتناول هموم المجتمع، في واقعية جديدة تشبه واقعية الجاحظ التي لا تقف عند تلك التفصيلات الدقيقة، بل تستند إلى تحليل نفسي واجتماعي، وتصوير لبعض الأحاسيس والعواطف في جمل قصيرة وحادة تنقل لك الحدث أو تصور لك الشخصية في ضربات متتابعة- قصة (نهاية انتظار طال) لـزكريا تامر يكشف القاصّ وجهًا بشعًا من أوجه الاستغلال، استغلالِ الأبناءِ لثروةِ الأبِ، حين يحكي لنا حكاية الأب الذي مات، فاستولى أبناؤه على معطفه وقميصه وبنطاله وجواربه وثيابه الداخلية وحذائه، فاستحيا من عُريه، وعندما سألهم بصوت متهدج عمن سيرث ديونه، تبادلوا النظرات المتعجبة، واتفقوا على أن ما سمعوه ليس سوى وهم، فالميت لا يستطيع التكلم بعد موته.‏

وفي قصة (بلادة) لـمنى العجمي تصور عدم التواصل بين الزوجين داخل بيت الزوجية في هذه القصة/اللوحة:
أعلن صوت المفاتيح عن دخوله للبيتِ، وكالعادة لم يجد من يستقبله، فتوجَّهَ مباشرة إلى المائدة؛ ليجدها جالسة في مكانها، وكأنها لم تتحرك منذ الصباح غير أن ألوان الطعام وشَتْ بالجديد الذي حدث، تمتم ببعض الأسئلة.. ردت عليها باقتضاب أغراه بالصمت، بعد محاولات فاشلة لبثِّ الروح في المكان توجه إلى سرير يجيد فوقه غسل الموتى..

المزالق:

بقي أن نشير إلى بعض المزالق في طريق القصة القصيرة جدًّا: ومنها افتقاد الحدث المركزي، وانفلات اللحظة القصصية، حيثُ ينبغي أن تكون القصة القصيرة جدًّا متماسكة وثرية من حيث البناء والدلالة، وتُعطينا الإشباع الفني الذي نشعر به عقب قراءة لأي تجربة فنية صادقة في فنون القول: (القصيدة، المسرحية، المقالة الأدبية... وغيرها(.

لكن من الملاحَظ على بعض القصص القصيرة جدًّا أنها لا تُعطينا هذا الإشباع؛ لأنها تفتقد الحدث أو الشخصية، وهما عماد القصة القصيرة جدًّا، فنجد القصة القصيرة تنهمر في ألفاظ تضعها على حافة المقالة الأدبية القصيرة أو الخاطرة -لا في قلب القصّ- ومنه هذا النص بعنوان (مداخلة) لـفهد العتيق:
لماذا تبدو صامتًا دائمًا؟ ربما في أغلب الأحيان، أو أنني أراك هكذا.. رغم ما أتذكره من ضحكات، وتراشق وأسئلة دارت بيننا طويلاً، عندما كنا نسهر في بيتكم الطيني الواطئ ذي الغرف الصغيرة المظلمة.. هل تذكر؟ وكانت أمك ترتق لنا ثيابنا الممزقة..
كانت أوقاتًا رائعة.
لكنك لا زلت تبدو لي صامتًا وحزينًا وممزقًا.. يا صديقي.. بعدُ لم نطرح أسئلتنا، أسئلتنا لا زالت مشوهة.. أسئلتنا لا زالت معلقة..

إن النص ينفتح على التأويلات المختلفة من تمزيق الثياب إلى تمزيق الشخصية، لكنه يفتقر إلى الحدث المسبب في هذا التمزيق الذي يحدث للقصة أثرًا نبحث عنه، فلا نجده..
ولذلك فإن الكتابة في مثل هذا النوع من القصص تستوجب قدرًا كبيرًا من إتقان البناء، وعدم الوقوع في غواية الانهمار اللغوي -عكس التكثيف- وتستوجب المحافظة –كذلك- على إبراز الدلالة التي يحدثها النص من خلال حدث محدد، وموجز، ومُركَّز.
وفي كثير من نماذج هذا النوع لا يستطيع القاصُّ أن يحافظ على الإمساك باللحظة القصصية، أو السيطرة عليها، فنرى النص يجيء قريبًا من النادرة أو النكتة منه إلى القصة القصيرة.
ومن ذلك نص لـهيمى المفتي بعنوان (نسخ مكررة‏)، وهذا نصه:
سار الابن على خطى أبيه، وسار الحفيد على خطى أبيه وجده، ثم اقتفى ابن الحفيد آثارهم، وتبعه ابنه، وحفيده وابن حفيده..‏
قطع أفراد العائلة طريقًا واحدًا.. زاروا الأماكن ذاتها.. تعثروا بنفس المطبات.. تجاوزوا عقبات متشابهة.. ووصل من عاش منهم إلى نفس النهاية، وعلى الرغم من مرور زمن طويل، وتتابع عدد كبير من أجيال العائلة، لكنهم جميعًا لم يتركوا في الأرض سوى آثار أقدام رجل واحد..

إنها تقترب من الحكمة البالغة، لا من فنّ القصّ.
ومن ذلك –أيضًا- نص بعنوان (بريق) لـوائل وجدي:
يجثو على الصخر، وترنو عيناه إلى زرقة البحر.. المدى البعيد بعيد، ويأخذ الموج بتلابيب فؤاده.. شيء ما يستبيه.. يعود إلى حضن جدته، وتحدثه محذِّرة من عروس البحر وعالمها.. يبتسم إليها، ويغفو.

إنه نص قصير، وكان يمكن أن ينفتح لدلالات أخرى، لو أضاف عدة ألفاظ، بينت لنا أن هذا المتحدث مع زوجته شاب، وبدلاً من الإغفاء، جعله ينتظر. إنها كانت ستعمل مفارقة جميلة طرفها الأول الجدة التي تحدث حفيها الشاب عن عروس البحر وتخيفه منها، والطرف الثاني: الشاب الذي ينتظر أن تكون خرافة جدته حقًّا، وتأتي عروس البحر.

حجم القصة القصيرة جداً:

إن الطول أو القصر في القصة القصيرة ليسا هما المشكلة، ولكن المشكلة هي: كيف يستطيع القاصُّ أن يتعامل بقصر النفس هذا أو طوله مع مادته القصصية، ومع ذلك يظل مسيطرًا على الشخصية أو اللحظة القصصية، بحيث لا تفلت منه، أو تكون عبئًا على عمله السردي المكتنز، أو تجعله يخرج من إطار القص؛ ليتماس مع أشكال أخرى كالنكتة أو النادرة.

كما أن بعض نصوص القصص القصيرة جدًّا تفقد تكثيفها وترميزها، وتتحول إلى بوق دعائي يريد منه الكاتب أن يُعبر عن فكرته التي يريدها، كما نرى مثلاً في نص لـعبد الله مهدي بعنوان (سيد درويش)، وهو يدور حول التشرذم والانشغال بالهموم العامة عن هموم الوطن. ويقول فيه:
كل يوم أعبر محطة التمثال بـبنها للكلية.. لا أحد يهتم بالتمثال، شروخ واضحة بقاعدته، لا أحد يلتفت أو ينتبه..
في يوم اثنين، محطة التمثال مكتظة بروّاد السوق، اندهش الجميع لنزول دم أسود وقيح من شروخ قاعدته. الكل في حيرة، كيف؟؟ تمثال ينزف دمًا وقيحًا..
لم يستطع أحد الاقتراب إلا أنا، اندفعت مقتربًا منه غاصت قدماي في الدم والقيح.. وصلت إليه، سمعته يئن بلحن فنان الشعب الخالد (سيد درويش): (قوم يا مصري).. طالبت الجميع أن يرددوا ورائي.. لم يترددوا في الاستجابة. بدأت شروخه تلتئم، وتوقف نزيف الدم والقيح.

على أية حال ستظل القصة القصيرة جدًّا أو الـ(ق.ق.ج) كما اصطُلِح على تسميتها -مثار خلاف دائم حول طبيعتها وقواعدها، وإن اتفقنا جميعًا على الاستمتاع بقراءتها
‏!

1- كيف أبدأ ؟


pencil

لا نملك مصباح علاء الدين:


لا نستطيع بالطبع في هذه العجالة أن نمدك بمصباح علاء الدين السحري، تأمره أن يمنحك قصة قصيرة جيدة، فيمنحك، ولكننا فقط نحاول أن نتلمس الطريق، ونضع خطوطا حمراء تحت نقاط مهمة.

فتش عن الموضوع:

الخطوة الأولى في كتابة القصة هي البحث عن موضوع، والموضوع Theme هو الحدث أو الحدوتة الشعورية التي تتجسد من خلالها الرؤية، وهو المادة القصصية التي من دونها لا يكون هناك قص، وهو حدث يتم في مكان وزمان محددين، تنشأ عنه علاقات إنسانية مختلفة، ويتمثل أيضاً في سلوك الشخصية التي تسعى لتحقيق هدف، وتعبر عن آمالها ومشاعرها الوجدانية.

وقد اعتاد وت بيرنت أن يقول لتلاميذه في جامعة كولومبيا: لا أعتقد أن بإمكانكم كتابة قصة قصيرة جيدة، دون أن يكون بداخلكم قصة جيدة، وأفضل أن يكون لديكم شيء تقولونه دون بناء فني على أن يكون لديكم بناء فني دون شيء تقولونه.

خذ عندك مثلاً..:

ويمكن أن يكون هذا الموضوع مشكلة عاطفية، رغبة في الانتقام، إحساس بافتقاد الأصدقاء، سعي للخلاص من مأزق، خوف من قوة أكبر، محاولة التغلب على عجز مالي أو بدني أو نفسي، جزع إزاء عزيز يحتضر، متهم يعاني في سبيل إثبات براءته، مسئول كبير يتورط في فضيحة، أب قاس في معاملة أبنائه.....

متى أعلم أن موضوعي جيد؟

والموضوع الجيد للقصة، هو الموضوع الذي يثير انفعالات القارئ، ويمتعه، ويشد انتباهه حتى يفرغ من القراءة، ثم يترسب بعد ذلك في أعماقه، ليثير تفكيره، ويحرك مشاعره بين الحين والآخر.

عليك أن تخلق للقارئ موضوعاً، وتطوره وتعقده، وتملأه بعناصر التشويق التي تجعله يستمر في القراءة حتى الكلمة الأخيرة.


كل يوم.. كل يوم..

والمعروف أن بعض كتاب القصة يستطيع الواحد منهم أن يكتب قصة كل يوم، أو أن يجد على الأقل موضوعاً صالحاً للكتابة كل يوم.

بل إن بعض نوابغ فن القصة يستطيع الواحد منهم أن يمسك القلم، ليكتب قصة دون أن يكون في ذهنه موضوع معين، ثم يأتي الموضوع في أثناء الكتابة، وما عليه بعد ذلك إلا أن يعيد صياغتها من جديد!

ولكن ليس في مقدور كل كاتب أن يتمتع بهذه الموهبة، ولا سيما في أول مراحل حياته الأدبية.

أين يجد الكاتب موضوعه؟

ومع ذلك فإن الكاتب يستطيع أن يجد موضوعات لقصصه في البيت وفي الشارع وفي الأوتوبيس وفي مقر عمله وفي أي مكان يحل به.

بل إن أي حدث، مهما كان بسيطاً، وأية جملة عابرة، وأية ضحكة يسمعها الإنسان وهو سائر ليلاً أو نهاراً، يمكن أن تكون موضوعاً لقصة، بل لعدة قصص مختلفة، وكل ما يحتاج إليه الأمر هو الخيال فقط.

وقد قيل إن كل شخص لديه -على الاقل- قصة واحدة يرويها، قصته هو، لكن الكاتب يجب أن يكون لديه قصص أكثر بكثير من قصته الخاصة، قصص عن أصدقائه وأقاربه وكل من قابله من الأطفال والكبار والغرباء، ومن خلال التنوع الساحر للعواطف والعقول والأفعال، يمكن للكاتب أن يتحقق، إذا أراد أن يكون كاتباً بحق، وعن طريق التمرين وشحذ الموهبة، تتحول هذه المادة التي بين يدي الكاتب إلى عمل فني يجد في النهاية جمهوره الخاص.

ويذكرنا الكاتب سومرست موم بأنه لا شيء يحدث في حياة الكاتب ولا يمكن استخدامه في القصة، وتضيف هالي برنت: بأن لا أحد من صديق أو عدو أو غريب يرد على وعي الكاتب إلا ويستحق الملاحظة والتفكير

وتولستوي العظيم كتب مرة: إن الكاتب الجيد هو الذي يستطيع أن يكتب قصة كاملة من شجار عابر رآه في الشارع

وهكذا فإن نقطة البداية في البحث عن مادة الكاتب القصصية، تكمن في تجاربه الخاصة وعلاقاته، لكن تبقى الموهبة وحدها فقط، هي التي تصوغ عملاً فنياً من اللحظات المأساوية أو الفكاهية، المملة أو التنبؤية التي لاحظها أو شعر بها الكاتب فيما حوله من حيوات.

بين الواقع والخيال:

ولا يعني هذا أننا نطالب الكاتب بأن يكتب من الخيال وحده، وإنما أن يستغل قدرته على التخيل في تطوير موضوعه، وتحويله إلى قصة، مزيج من الواقع والخيال.

والكاتب نفسه قد يعجز بعد أن يكتب قصته أن يعرف الحدود التي تفصل الحقائق عن الخيال فيها، والفرق بين كاتب قصة ممتاز، وآخر متوسط، هو القدرة على التخيل القائم على أسس منطقية ومبررات معقولة.

فأنت إذا أطلقت للخيال عنانه فقد يكبح بك إلى ألوان من المستحيلات أو من النوادر التي تثير سخرية القارئ أكثر مما تثير إعجابه، وهذا يعني أن يكون الكاتب حريصاً جداً في إدراكه للشيء الممكن وقوعه ببساطة، والثاني الممكن وقوعه بنسبة معقولة، والثالث الممكن وقوعه بنسبة ضئيلة جداً تجعله في حكم النادر، ثم الشيء المستحيل.
ولنضرب مثالاً:

ـ الممكن وقوعه ببساطة: أن تخرج من عملك فتجد السيارة العامة التي اعتدت أن تركبها واقفة في المحطة.

ـ الممكن وقوعه بنسبة معقولة: أن تتذكر زميلك، ثم لا تلبث أن تراه أمامك.

ـ الممكن وقوعه بنسبة ضئيلة تجعله في حكم النادر: أن يسقط طفل من الدور الخامس فلا يموت؛ لأنه سقط على سيارة بضائع محملة بالمراتب!

ـ والشيء المستحيل وقوعه: أن يسقط هذا الطفل في البحر، ثم تتقاذفه الأمواج، لمدة ثلاثة أو أربعة أيام، ومع ذلك يتخيل الكاتب وقوع معجزة لإنقاذه!

هنا يبدو الفارق بين كاتب ذكي يكبح خياله، ويستغله في جعل الموضوع يبدو واقعياً تماماً حتى وإن شابته عناصر خيالية أو فانتازية، وبين الآخر الذي يعتقد أن الانطلاق مع الخيال بلا قيد أو شرط هو ذروة الفن.

مع ملاحظة أن الكاتب لا يكتب لنفسه فقط، برغم أن الكتابة تشبع ذاته أولاً إلا أن القصة لا تعتبر كاملة إلا إذا وجدت صلتها بعقل القارئ.

كلمة أخيرة:

ويبقى أن الموضوع بالنسبة للقصة القصيرة، كالمخ بالنسبة للإنسان، يحركه، ويوجهه، ويضفي عليه، وقاراً أو جنوناً، خلوداً أو فناء، قوة أو ضعفاً، فيجب الحرص جداً ونحن نتخير موضوعاتنا، حتى يكون للجهد المبذول بعد ذلك قيمة ونتيجة مرضية.

2- الحبكة والصراع والحل ..


123140

وماذا بعد؟


لقد وجدت الموضوع المناسب لبدء مغامرة الكتابة.. هنيئاً..

ولكن.. ماذا بعد؟

إذا تركت الصور والمشاهد تتوارد على ذهنك، تسجل بعضها، وتعتذر للبعض الآخر، هكذا بلا ترتيب أو نسق فني معين، وإنما عفو الخاطر، ودون وجود خريطة كاملة في ذهنك عمـا ستئول إليه الأحداث بعد قليل، فإن ذلك لا يمكن أن يؤدي في النهاية لقصة ناجحة.

وتطوير الموضوع إلى قصة قصيرة جيدة، ليس له طريق واحد معترف به، وإنما له قواعد رئيسية، وخطوط عامة تؤدي في مجموعها إلى أقصر الطرق وأفضلها للوصول إلى هذا الهدف.

هيكل القصة:

ومن هذه القواعد والخطوط يتكون هيكل القصة المتطور من الموضوع، وهيكل القصة يقوم على دعائم أساسية هي:
العقدة.
الصراع الناشئ عن العقدة.
الحل الناشئ عن الصراع.

وهذه الدعائم ليست مجرد تركيبة نظرية، لأنك إذا حلّلت آلاف القصص، فسوف تجدها كلها، أو معظمها، قائمة في هيكلها العام على هذه الدعائم نفسها، وما عليك إلا أن تتذكر آخر قصة قرأتها، ثم تتساءل بينك وبين نفسك: هل كان موضوعها ينطوي على عقدة؟ وهل كان البطل يواجه مشكلة معينة؟ وهل كانت هناك ظروف تدفع البطل إلى اتخاذ موقف معين؟ وأخيراً كيف استطاع البطل أن يواجه هذه الظروف ويخرج منها؟

العقدة:

العقدة أوالحبكة هي: الحدوتة التي تحكيها، الأزمة أو المأزق الذي يواجهه بطل قصتك، وكيف يمكنك أن تحافظ على توتر وحركة شخصياتك، وشد مشاركة القارئ إلى نهاية القصة، وهي الحبل الذي نعلق عليه حب الاستطلاع والتشويق والدراما والسلوك البشري والإحساس بالزمن، ودون الحبكة فمن الأرجح ألا يهتم القارئ كثيراً بمتابعة القصة للنهاية.

وقد تتفرع عن العقدة الأساسية عقد أخرى فرعية، ولكن ينبغي عدم التمادي في هذا الاتجاه حتى لا تفلت خيوط الموضوع من الكاتب، ولا يضيع الخط الرئيسي أو تبهت معالمه، بل الواجب أن تكون هذه التفريعات -إن وجدت- بمثابة الأعمدة أو الدعائم الصغيرة التي تسند الدعامة أو الخط الرئيسي لتقويته وإبراز ملامحه أكثر.

وتأتي العقدة بعد أن يختار الكاتب موضوعه والشخصية الرئيسية التي ستدور حولها أحداث القصة.

يقول البعض: إن الحبكة تبين قدرة الكاتب على التفكير في اتجاهات متعددة في الوقت نفسه وهو ما يحافظ على تطور قصته، وهي تشير أيضاً إلى أن حدود الخيال قد امتدت إلى ما وراء الحقائق والأحداث المعروفة وهو ما يميز القصة القصيرة عن التحقيق الصحفي.

الصراع ولحظة التنوير:

ومن جراء العقدة، وبسببها ينشأ الصراع ويتطور في اتجاهات مختلفة ومتباينة، مما يحتم في النهاية الوصول لحل لهذا الصراع.

ولنأخذ مثالاً:

انتهى حامد من امتحانات آخر العام، وهو الآن وحده في الحياة، بلا سند ولا معين، فقد ماتت أمه وكذلك أبوه، وهو مع كل ظروفه السيئة يريد أن يتزوج من زميلته في الجامعة، ولكن أهلها يرفضون.

أمامنا الآن حبكة جيدة، فالبطل حامد يواجه موقفاً صعباً، أو عقدة، مما سيدفعه للبحث عن حل، ومن هنا ينشأ الصراع، بين حامد والظروف من ناحية، وبينه وحبيبته وأهلها من ناحية أخرى، بل بين حامد ونفسه كذلك.

ويظل هذا الصراع يتطور عبر مراحل السرد المختلفة، فربما يلجأ حامد للتنازل عن درجته العلمية وشهادته ويرضى بعمل حقير لا يناسبه، وربما يرفض ويتشبث بشهادته ويظل يعاني الفقر والحاجة، ومن الممكن كذلك أن تقف حبيبته إلى جواره وتسانده وتتحمل ظروفه، والعكس أيضاً، فهي من الممكن أن تمل من طول الانتظار وتقرر أن تهجره.

ومن جراء الصراع، تتجه الأحداث نحو الانفراج، أو الحل النهائي لصراع البطل، أو ما يسميه كتاب القصة القصيرة: لحظة التنوير، وهي اللحظة التي تضع فيها الظروف والأحداث أوزارها، ويجد البطل نفسه عند خط النهاية.

وفي مثالنا، تتمثل لحظة التنوير في أن يجد حامد مثلاً عقد عمل يسافر به للخارج، ومن ثم يوافق أهل حبيبته على ارتباطه بها، أو يقوم بموقف رجولي معين يثبت من خلاله جدارته بالفتاة مما يدفع أهلها للموافقة عليه، أو حتى تتزوج الفتاة بآخر وتنتهي قصتهما معاً.

وقد تأتي الحبكة من الذاكرة، أو من ردود الفعل الذاتية للتجارب، أو من موقف استفزازي شاهدناه، ولكن مع ذلك ينبغي أن تكون صادقة ومؤثرة وممتلئة بإمكانيات الحركة والتنقل والاستيعاب.

قال الكاتب جان هجنز: في أعمالي المبكرة وقعت في مصيدة التفكير في الحبكة أولاً، ثم أخلق الشخصيات لتحقيقها، الآن أبدأ بتصور، ثم أخلق الشخصيات، وأدعها تقوم بتصرفاتها الطبيعية، وعمل الحبكة كما تحدث في الحياة.

فمهما كان مصدر إلهامنا، أو منبع قصصنا، لابد أن نتأكد من أننا نتبع منطق الشخصيات، ونحافظ على ذلك حتى النهاية.

تقول الكاتبة إليزابث بووين: إن الشخص المتأمل فقط، لن يكون كاتباً، لأن لحظات التأمل لابد لها من مخرج، فمداومة ملاحظة حيوات الآخرين، واستغراقه في مراقبة الرجال والنساء، وحبهم وآلامهم، وأفراحهم وأحزانهم، لن تتركه وحده، وستشغل كل وقته، فلابد للكاتب أن يجلس إلى نفسه، ويتمعن في نشاطات خياله الخاص، ليلعب اللعبة حسب قواعد هذا الخيال، آنذاك سيجلس إلى مكتبه ليكتب ما يستحق أن يكتب ويجد متعة في ذلك أيضاً.

3- الشخصيات ..


044005

تأمل الشخصية :


كتبت الروائية ربيكاويست مرة: ما أحب أن أفعله حين أكتب هو تأمل الشخصية، سواء الشخصيات الخاصة التي أبتدعها في رواياتي وقصصي القصيرة، المبنية على تجربتي الخاصة، أو بدراسة التاريخ، أو الشخصيات الأخرى التي ابتدعها الآخرون.

وهو ما يفعله -أو يجب أن يفعله- كل كاتب بالطبع، فما الإبداع الروائي والقصصي إلا دراسة وتأمل لشخصية المؤلف والآخرين، في تشابهها واختلافها، وأحلامها، نجاحها وفشلها، والأخطار التي تتعرض لها ومصائرها المحتومة.

وسواء كنا نستكشف الحياة على لسان المتكلم والمونولوج الداخلي أو من وجهة نظر شخصيات أخرى، فإن ما يعنينا قراءته وكتابته هو الحياة كما تؤثر علينا وعلى الآخرين، وليس هناك مثل القصة القصيرة في تصوير الشخصية في إحدى حالاتها وفي أقصى لحظات الكشف.

الشخصية المناسبة.. في المكان المناسب:

كيف يمكننا إذن أن نستقر على الشخصية التي نريد إسناد قصتنا لها؟، أقول الشخصية وليس الشخصيات متذكراً تحذير شين أو فاولين: بأن أية قصة قصيرة تبنى بالدرجة الأولى على الاهتمام بشخص واحد والتركيز على دوره المعين في الحياة، فالشخصية كما يرى: هي التي تشد عواطفنا كالعاصفة.

ويقول سومرست موم: لا أحد يمكنه خلق شخصية من الملاحظة فقط، ولكي تبدو الشخصية حية، فلابد أن تكون، لدرجة ما، ممثلة لشخصية المؤلف

وأندريه موروا يقول: نجد شخصياتنا عادة بواسطة الأوتار المترددة الموجودة داخل كل فنان، تبدأ في الاهتزاز حين يرن موضوع مشابه ليوقظها.

هذا الرنين المشابه أو المماثل ينطبق في البداية على أشخاص عرفهم المرء جيداً، أحبهم أو كرههم على مر السنين، وهم بدورهم تتردد أصداؤهم بشكل ما في أفراد آخرين، قابلهم أو لاحظهم، وفي كل ذلك تتركب الشخصية الإبداعية، بحيث يبدو أننا لم يسبق وشاهدناها.

ولأن كل فرد لا يشبه الآخر في الحياة، فلابد أن يكون الأمر بهذا الشكل في العمل القصصي، فتحمل الشخصيات بصمة المؤلف وذاته الفريدة المعقدة.

فالشخصيات الكرتونية الهشة المنسوخة عن الآخر، أو الرومانسية الرخيصة، المبنية على أكليشهات الفضائل والفضائح، لا تستحق أن يكتب المرء عنها، فهي لا تحتاج مجهوداً أو إلتزاماً ما، إلا أقل القليل عند كتابتها، وتستطيع أن تجدها بسهولة في الأفلام الهابطة والتي تسعى للترويج لا للفن.

الثقة أولاً:

وعليك أن تثق في تلك النغمات المترددة التي تطرق بابك وإن لم تعرف كنهها بعد، ففيها يكمن جوهر الشخصيات التي ستخلقها في قصصك القصيرة.

من الماضي البعيد:

ولتكن أول نغمة على وترك، وجه تسكنه أنت، شخصية ما تثير اهتمامك بشكل ما، قد تكون فتاة رائعة من طفولتك، بدت لك متوهجة وجذابة بشكل لا يمكن نسيانه، وأضف إليها النغمة التالية: فتاة أخرى لها ملامح ومظهر الفتاة الأولى، واضبطها تتشاجر مع زوجها وتقسو على طفلها، ثم أضف النغمة الثالثة، لفتاة تبدو للوهلة الأولى متناغمة مع الفتاتين الأوليين لكنك تراها مغمورة وقادرة على ارتكاب أفظع الأمور بقلب بارد لا يهتز، وهكذا تجد أن اللحن كله قد تم.

ولقد اعترف نورمان ميلر بأن نصف شخصياته الخيالية، كانت لها نقطة مفارقة مع شخصيات حقيقية: كما أنني لا أحب الكتابة عن أناس قريبين مني، فذلك صعب، فحقيقتهم وواقعهم الخاص يتداخل بشكل كبير مع الواقع الذي يحاول المرء خلقه، وأفضل أن أرسم الشخصية عن أناس بالكاد أعرفهم.

فكل الشخصيات لها بداية ما في الواقع الحقيقي، وغالباً ما نعتقد أننا نعرفها ونفهمها، أو فشلنا في فهمها، ونأمل بعملية الكتابة أن نعرفها افضل، ومن الطبيعي أننا نكتب بشكل أفضل إذا كتبنا عن محيط أو بيئة نألفها بشكل كبير.

محاولة اغتيال نجيب محفوظ:

وفي عالمنا العربي، تعرض كاتبنا الكبير نجيب محفوظ لحادثة فريدة، إذ إنه استوحى بطل روايته السراب من أحد الأشخاص الذين كان على صلة بهم، وعرف هذا الشخص نفسه في الرواية، وذهب إلى الكاتب الكبير في مقهاه، وهو يحمل مسدساً، ويصر على الانتقام من نجيب محفوظ!

خزان الخيال:

وكان وت بيرنت يقول لتلامذته من الكتاب الشبان: ابدأ بملء خزان خيالك بكل ما يمكنك أن تجمعه من شخصيات في حياتك، لتستخدمها في المستقبل، وحين يمتلئ الخزان، افتح البوابات ودع الفيضان يسيل لما أنت على استعداد له؟، وحين تفعل ذلك، افعله بجرأة.

ويقـول فلوبير: على الكاتب أن يكون مختفياً في كل مكان في عمله، كالإله في السموات.

جماعات مغمورة:

إن الكاتب عادة يعبر عما يعرفه أكثر من غيره، فـمارسيل بروست كتب عن المجتمع الراقي، وقال مرة: إن تصوير سلوك الملكة كسلوك الخياطة يعتبر خديعة من الكاتب، إن الوسط الأكثر صلاحية لعمل الكاتب الذي يريد معالجة العواطف والوجدان والمآسي في تطورها الكامل هو المجتمع الراقي، ففيه تكمن الأسباب التي تسمح بأن تأخذ هذه الأمور مداها، ثم إن لغة هذا المجتمع غنية بدرجة كافية لجعلهم يعبرون عن أنفسهم بشكل جيد.

بينما اختار جوجول شخصياته من الموظفين الصغار الذين عمل معهم، وموباسان اختار الغانيات الفرنسيات اللاتي زودنه بالتسلية والترفيه من وقت لآخر، واختار تشيكوف أن يكتب عن الأطباء والمدرسين الذين يعرفهم بشكل أفضل.

وكما قال فرانك أوكونور إنه لم يكن عند معظم الكتاب الكبار بطل للقصة القصيرة، وإنما لها بدلاً من ذلك، جماعة خاصة، معزولة، لها مزاجها الذي يميزها عن غيرها، وهي جماعة تعاني من ألوان الضغوط الاجتماعية، وتسعى جاهدة لإيجاد متنفس أو خلاص، وليس من الضروري أن يكون الفقر المادي من بين هذه الضغوط ، فقد تكون فقيرة من الناحية الروحية، ويطلـق فرانك أوكونور على هذه الجماعات اسم : الجماعات المغمورة .

وتشيكوف كتب يوماًَ: لا ينبغي للكاتب أن يكون قاضياً، يحكم على شخصياته وحواراتها، ولكن أن يكون شاهداً غير متحيز.

وكتبت كاترين آن بورتر تقول: سر بصحبة شخصياتك كأنك تراها بعين خيالك تعيش وتتطور كأنها في الواقع، ثم إحك قصتها بكل الصدق والتعاطف والجدية قدر ما تستطيع.

أسماء الشخصيات:

وهناك عنصر آخر في الشخصية يتعلق باختيار الأسماء، ولقد كتب أندريه موروا مرة: إن الحياة تبدأ بالأسماء

وسيشعر الإنسان بالتأكيد أنه عريان ومجهول إذا سحب اسمه منه، لكن بالنسبة للكاتب، فإن الاسم الذي يختاره للشخصية، ليس هو الاسم الوحيد المناسب لها، وهناك كتاب كثيرون يغيرون أسماء شخصياتهم في منتصف العمل، مع تطور الأحداث والاتجاهات أثناء عملية الكتابة.

فالأسماء المحلية لا تصلح للتعبير عن شخصيات لها سمات أجنبية، كما أن الكتاب يستبعدون الأسماء الخيالية التي تستخدم في تمثيليات التليفزيون، كذلك يفضل البعد عن الأسماء التي توحي بالثروة والجمال أو القسوة.

ولابد أن تكون الأسماء مناسبة لخلفية قصتك الدينية أو الثقافية، المهم أن تجد الأسماء الناجحة المناسبة لشخصيتك، واستقر على الاسم الأكثر ملاءمة لصاحبه، أو لشعورك الخاص بألفتك مع الشخصية، ولا مانع من الاستعانة بدليل التليفون.

الراوي العليم.. وضمير المتكلم:

إن تطور الشخصية يرتبط بالطبع بوجهة النظر التي تبنيتها لقصتك، فإذا كنت تروي بلسان إحدى الشخصيات، فالأمر يبدو سهلاً، فأنت تركز على أفكار ومشاعر هذا الشخص، فنقل إحساس شخصية واحدة يبدو سهلاً، خاصة إذا كنت تروي القصة بضمير المتكلم، ففي النهاية نحن نعرف أنفسنا أفضل.

ولقد أشارت إيفي كومبتون ذات مرة قائلة: أعتقد أننا نعرف عن الآخرين أقل مما نظن، وستكون صدمة كبيرة أن يجد المرء نفسه خلف عين شخص آخر

ومع ذلك فإن المدخل الموضوعي لضمير الغائب قد يسمح بمدى أكبر من الاقتراب من عقول ونيات الشخصيات الأخرى، فالسرد بضمير المتكلم لا يتيح فرصة للرؤية في كل مكان، إلا عن طريق السماع، لكن بدون ضمير المتكلم، يمكنك أن تغطي وجهات نظر عديدة بما فيها الراوي العليم بكل شيء في قصتك.

قبل أن تبدأ الكتابة عن شخصية ما، بما فيها أنفسنا، لا تهم وجهة النظر، بقدر أهمية البحث عن الدوافع والأسباب لتصرفات الشخصية، بالحماس نفسه، الذي ينتاب كلباً يبحث عن عظمة مدفونة يعرف أنه سيصل إليها.

يجب أن تستحوذ علينا الشخصية ويجب أن نركز ما نعرفه عنها في السرد، بحيث يشعر القارئ في نهاية القصة أن أي تفسير آخر لما قدمناه لن يكون ممكناً.

ولكي نفعل ذلك ينبغي أن نتحرك بإبداع خلاق في القنوات التي حفرناها للشخصية.

ملاحظات تفيد في بناء شخصيتك:

1. يمكنك إضافة الحيوية والصدق والشرعية على شخصياتك بأن تدع شخصيات أخرى تتحدث عنها بشكل جيد أو رديء، بتعاطف أو نفور، قبل أن تظهر في المشهد أو بعده.

2. قف خارج شخصيتك وانظر داخلها ثم ازحف وتقمصها.

3. انظر إلى ردود أفعال شخصياتك وتبريراتها في سلوكك أنت، حاول أن تجد أخطاء أو فضائل أو عادات مشابهة داخلك، وحاول أن تفهمها جيداً، حتى ولو أدانتها.

4. جرب هذه الوسيلة الخيالية: ضع صفات شخصية ما في جسد شخصية أخرى، أعط فستان سيدة لسيدة أخرى، أعط أطفالاً لامرأة لا تنجب أطفالاً، وانظر كيف يؤثر ذلك على شخصيتها، لاحظ سلوك إنسان فقد من يهتم بهم، أو واحدة فقدت من كانوا يهتمون بها

4- ماذا عن الحوار ؟

penaa0


ما هو الحوار؟


الحوار أو الديالوج: هو المحادثة التي تدور بين شخصية أو أكثر، وهو أحد أهم التقنيات الفنية المشاركة في البنية القصصية؛ لأنه نافذة بليغة وحارة يطل منها القارئ وينفذ إلى حنايا القصة.

هل الحوار عنصر مهم؟

للحوار وسيلة فنية لتقديم الشخصيات والأحداث والتعريف بها من داخلها لا من خارجها، بلسانها وليس بلسان الراوي أو المؤلف.

إن من طبيعة الحوار إضفاء الحيوية على النص وغمره بالدفء الذي تفجره الروح البشرية، وبالإمكان أن تثير فينا عبارة حوارية واحدة ما لا تستطيع أن تثيره فينا صفحة كاملة من السرد.

وأهمية الحوار تكمن أيضًا في أنه هو ما يميزنا عن الثدييات الأخرى، كما أنه هو الذي يميز بين شخص وآخر.

كما أن الحوار يساعد على تطوير موضوع القصة للوصول بها إلى النهاية المنشودة.

ويخفف من رتابة السرد، ويريح القارئ من متابعة هذا السرد، ويبعد عنه الشعور بالملل، كما أنه يساعد على رسم شخصيات القصة؛ لأن الشخصية لا يمكن أن تبدو كاملة الوضوح والحيوية إلا إذا سمعها القارئ وهي تتحدث.

والحوار يساعد على تصوير موقف معين في القصة، أو صراع عاطفي، أو حالة نفسية، مثل الخوف أو الكبت أو الغيرة أو التردد أو الوفاء أو حدة الطبع أو الشجاعة أو الجبن... وما إلى ذلك كله من مختلف الحالات النفسية التي تكون عليها الشخصية في ظروف معينة.

كما أن الحوار يضفي على القصة تلك اللمسة الحية التي تجعلها تبدو أكثر واقعية في نظر القارئ.

اقرأ حوارك بصوت عالٍ:

وعندما تبدأ في حوارك، اقرأ بصوت عال الحوار الذي تكتبه لشخصياتك، ونغّم الإيقاع كالممثل على خشبة المسرح، واشعر كيف يمكن للكلمات أن تترابط أو تصل أو تتقاطع، وتبين الحب والعاطفة والشك وعدم الثقة أو الصداقة، ولاحظ بعناية كيفية ترتيب كلماتك بالطريقة التي تريد أن يكون عليه إيقاعها بعد أن تكون قد استمعت لها جيدًا وهي تنطق في ذهنك.

كذلك دعْ فرصة للصمت والتردد في حوارك، واشطب بلا رحمة الكلمات الزائدة، والبدايات البطيئة جدًّا، والجمود والتكلف والوعي بذاتك.

الحوار بين الناس وفي قصصك:

ومن فرط أهمية الحوار في القصة نجد أن نجاح القصة كلها قد يتوقف على براعة الكاتب في إدارة الحوار بين شخصيات قصصه، والواقع أن أيَّ كاتب ذكي دارس لفن القصة القصيرة لا يستطيع أن يجعل الحوار في قصصه صورة طبق الأصل للحوار الذي يجري بين الناس في الحياة العامة بحجة التزامه الواقعية.

إن الناس عادة يثرثرون أكثر مما يتحدثون، ويستطردون من موضوع إلى موضوع بسرعة وبلا هدف معين.

ولكن الحوار الذي ستضيفه إلى شخصيتك ينبغي أن يكون مركّزًا وواضحًا وكاشفًا ومتخلّصًا من كل عيوب الحوار العادي بين الناس في حياتهم اليومية، دون أن يجعل القارئ يحس أن الحوار دخيل أو مفتعل أو غير مناسب للشخصية التي يدور على لسانها.

وإليك بعض الملاحظات:

1. لا تجعل عبارات الحوار واضحة جدًّا، صريحة جدًّا، خالية من التلميح والتلطيف، أو اللفظ الجذاب.
2. ينبغي أن تتجنب الخطابة في الحوار، فلا تجعل البطل مثلا يرفع يديه إلى القمر وينطلق في وصفه بعبارات خطابية سمجة.
3. لا تحاول اصطناع الإثارة في نفس القارئ بعبارات طنَّانة.
4. لا تضع على ألسنة الشخصيات عبارات محفوظة زاخرة بالحكم والأمثال وكأنها مباراة لمعرفة أيهما أبلغ حديثًًا من الآخر.
5. يجب أن يكون الحوار في صلب القصة وجزءً أساسيًّا فيها بحيث إذا حذفت عبارة واحدة منه اختل سياق القصة من أساسه.
6. على الكاتب أن يكون شديد الحذر عند استعماله اللهجة الدارجة في الحوار؛ لأنها في الواقع أصعب من الفصحى.
7. حاول أن تجعل الحوار جملا قصيرة وسريعة بقدر الإمكان.
8. ضعْ على حوار شخصياتك لمسات واقعية، وذلك بتنويع الفقرات الحوارية، وجعلها قريبة مما يتحدث به الناس عادةً، فالإنسان حين يتحدث قد يتلعثم أحيانًا، أو يتردد، أو يستدرك، أو يؤكد، أو يتدارك، أو يتوقف قبل ان يتم عبارته...

فاصل نقاش:

ولا بد لنا هنا من الإشارة في عجالة إلى القضية المزمنة التي لم نصل فيها إلى حكم نهائي حتى هذه اللحظة، وهي قضية استخدام اللغة العربية الفصحى في مقابل العامية في الحوار.

لقد طال النقاش حول أي اللغتين أحق بكتابة الحوار، ولكل فريق من أنصار إحدى اللغتين أدلته وبراهينه على أنه الأكثر صوابًا.

والمجال هنا ليس مجال تفضيل أحد الأسلوبين على الآخر، ولكني أقول بصفة شخصية: إنَّ على الكاتب أن يحاول بقدر الإمكان أن يجعل الحوار في قصصه بلغة عربية سليمة سهلة تجمع بين رصانة الفصحى ومرونة العامية؛ وهي اللغة التي سمونها الآن اللغة الوسيطة .

ولكـن لا مفرَّ في بعض الحالات من استخدام العامية إذا كانت شخصية القصة الأساسية من (أولاد البلـد) الذين لا يمكن أن يتصور القارئ أن تجري على لسان أحدهم كلمة عربية فصيحة.

وبصفة عامة.. فالصدق الفني يتحقق من خلال مناسبة الحوار للشخصية، ومستواها الثقافي والاجتماعي، وظروف بيئتها التي تعيش فيها.

5 - كيف تتأكد أن قصتك ستصل إلى قلب القاريء ؟

mostof


لحظة من فضلك:

لا يوجد عقد طويل المدى أو قصيره، يتم توقعيه بين الكاتب والجمهور؛ لكي يضمن أن يكون تواصل وتفاعل قرائه معه مستمرًّا ومؤبدًا، ولكن لا شك أن هناك معايير إذا توخَّاها الكاتب قدر استطاعته، أن تسهم في إقامة قصصه لأطول فترة ممكنة في قلوب قرائه، ومن هذه المعايير:

اليقين:

يقول أنتوني ترولوب في سيرته الذاتية: كنت أبدأ دومًا ببناء قلاع ثابتة في الهواء في خيالي لأسابيع أو لأشهر وحتى لسنوات، وتعلمت من هذه الطريقة أن أحتفظ بالاهتمام بالقصة الخيالية، وأقعد على عمل خلقته منفردًا بخيالي الخاص، وأشك أنه لولا تدربي ذاك لما كتبت كتابًا واحدًا.

وهذا يقودنا ـنحن كتاب القصة القصيرةـ إلى حقيقة جوهرية، هي أنّ على الكاتب أن يؤمن بعمق بما يقوده إليه خياله، وبما يكتبه، ويقدمه إلى الناس، وعليه أن يتدرب بشدة حتى يوقف الشك والارتياب وعدم الإيمان بما يفعل، عليه ألا يهتم بما يكتب فقط، بل عليه أن يؤمن بلا جدال بأنه يعيد خلق الحقيقة، وأن الحقيقة الخيالية في قصته هي الحقيقة ذاتها، ولا يدع مجالاً لأحد في أن يرتاب في غير ذلك.

فإذا كتب المرء قصته بأقصى ما يمكنه من الإيمان بعمله، فإن القصة ستصل إلى القارئ بالإيمان نفسه الذي كتبها به.

وعندما سألوا الكاتب الكبير يحيى حقي عن سر نجاح روايته (قنديل أم هاشم)، أجاب بأنه كتبها من قلبه، فاستقرت بدورها في قلوب الناس، لقد كان يؤمن بما يفعل ولذا تابعه الناس فيما آمن به.

التوحد:

كانت الممثلة الكبيرة إيثيل باريمور تقول للمثلين الشبان: تعلموا كيف توسِّعون أفقكم، يومًا بيوم، وسنة بسنة، فكلما أحببت أشياء أكثر، واهتممت بأمور أكثر، وتمتعت بمسرات أكبر، وغضبت من أشياء، فإن ذلك يتيح لك فرصة أكبر للتوحد مع إبداعك، ويعدك بشكل أفضل، لتصبح ممثلاً جيدًا أو فنانًا أو كاتبًا.

الافتتان:

قال عالم النفس كارل يونج: إن الافتتان هو المفتاح، فحين تجد نفسك مفتونًا تمامًا بشيء ما، فباستطاعتك -إذا كنت مسيطرًا على المباديء الأساسية- أن تستخدمه في توسيع موهبتك وتجويد أهدافك.

الإمتاع:

إن الملاحظة التي أبداها الرسام روبرت هنري لتلامذته تصلح للكاتب أيضًا، فقد قال: لكي يكون الفنان ممتعًا للآخرين، لا بد أن يكون في البداية ممتعًا لنفسه، وأن يكون قادرًا على الشعور المكثف والتأمل العميق، وسواء قصد ذلك أم لا، فإن كل ضربة فرشاة، هي تسجيل دقيق لحالته، في اللحظة التي تقوم فيها بالعمل.

الحرية:

لا معنى لأي نص إن لم يكن فيه موضعٌ للذات تسترد فيه حريتها.

البحث عن الحقيقة:

كتبت إليزابث بووين: كل طفل يولد تقريبًا يرى أن العالم بشكل ما يحتاج إلى تفسير، ربما لا يعيش الكاتب حتى يتحقق ذلك الأمل.

والكاتب أولاً وأخيرًا لا بد أن يؤمن بقوة وقدرة الكلمة المكتوبة على الكشف، ورغبته في أن يفسر العالم من خلال اللغة.

وقالت جين مالاكويه ذات يوم لـ نورمان ميلر: إن الكتابة هي الطريقة الوحيدة لمعرفة الحقيقة، والوقت الوحيد الذي أعرف فيه أن شيئًا ما حقيقي: هي اللحظة التي أكتشفه فيه أثناء الكتابة، أكتب؛ لأكتشف ما أفكر فيه، وما أنظر إليه، وما أراه، وما يعنيه هذا الذي أراه، وما أريده وما أخافه، وما الذي يجري في هذه الصور التي تدور في عقلي.

ويقول فرانك أوكونور: إن القصة القصيرة يمكنها أن تجلي الحقيقة بطريقة ربما لا تستطيع الرواية بمجالها الواسع أن تحققه.

ليست الجدَّة شرطًا:

ليس من الضروري أن يكون الموضوع جديدًا جدًّا؛ فالطبيعة البشرية لم تتغير كثيرًا عبر القرون، لكن تجربة كل فرد في الوجود فريدة في حد ذاتها، والقصة القصيرة الجيدة لا بد أن تبدو وكأنها تخبرنا بشيء طازج، له معنى وهدف، دون استعارة ملابس كاتب آخر، أو ارتداء ما اشتراه شخص آخر.

الذروة:

تقول كاترين آن بورتر: إن الكتابة لا تستثني الحياة الكاملة؛ إنها تطلبها، وهذا يؤكد أن كتابتنا لا بد لها أن تكون في النهاية ذروة كل التجارب والعواطف التي مرت بنا والأفراد الذين عرفناهم.