تأمل الشخصية :
كتبت الروائية ربيكاويست مرة: ما أحب أن أفعله حين أكتب هو تأمل الشخصية، سواء الشخصيات الخاصة التي أبتدعها في رواياتي وقصصي القصيرة، المبنية على تجربتي الخاصة، أو بدراسة التاريخ، أو الشخصيات الأخرى التي ابتدعها الآخرون.
وهو ما يفعله -أو يجب أن يفعله- كل كاتب بالطبع، فما الإبداع الروائي والقصصي إلا دراسة وتأمل لشخصية المؤلف والآخرين، في تشابهها واختلافها، وأحلامها، نجاحها وفشلها، والأخطار التي تتعرض لها ومصائرها المحتومة.
وسواء كنا نستكشف الحياة على لسان المتكلم والمونولوج الداخلي أو من وجهة نظر شخصيات أخرى، فإن ما يعنينا قراءته وكتابته هو الحياة كما تؤثر علينا وعلى الآخرين، وليس هناك مثل القصة القصيرة في تصوير الشخصية في إحدى حالاتها وفي أقصى لحظات الكشف.
الشخصية المناسبة.. في المكان المناسب:
كيف يمكننا إذن أن نستقر على الشخصية التي نريد إسناد قصتنا لها؟، أقول الشخصية وليس الشخصيات متذكراً تحذير شين أو فاولين: بأن أية قصة قصيرة تبنى بالدرجة الأولى على الاهتمام بشخص واحد والتركيز على دوره المعين في الحياة، فالشخصية كما يرى: هي التي تشد عواطفنا كالعاصفة.
ويقول سومرست موم: لا أحد يمكنه خلق شخصية من الملاحظة فقط، ولكي تبدو الشخصية حية، فلابد أن تكون، لدرجة ما، ممثلة لشخصية المؤلف
وأندريه موروا يقول: نجد شخصياتنا عادة بواسطة الأوتار المترددة الموجودة داخل كل فنان، تبدأ في الاهتزاز حين يرن موضوع مشابه ليوقظها.
هذا الرنين المشابه أو المماثل ينطبق في البداية على أشخاص عرفهم المرء جيداً، أحبهم أو كرههم على مر السنين، وهم بدورهم تتردد أصداؤهم بشكل ما في أفراد آخرين، قابلهم أو لاحظهم، وفي كل ذلك تتركب الشخصية الإبداعية، بحيث يبدو أننا لم يسبق وشاهدناها.
ولأن كل فرد لا يشبه الآخر في الحياة، فلابد أن يكون الأمر بهذا الشكل في العمل القصصي، فتحمل الشخصيات بصمة المؤلف وذاته الفريدة المعقدة.
فالشخصيات الكرتونية الهشة المنسوخة عن الآخر، أو الرومانسية الرخيصة، المبنية على أكليشهات الفضائل والفضائح، لا تستحق أن يكتب المرء عنها، فهي لا تحتاج مجهوداً أو إلتزاماً ما، إلا أقل القليل عند كتابتها، وتستطيع أن تجدها بسهولة في الأفلام الهابطة والتي تسعى للترويج لا للفن.
الثقة أولاً:
وعليك أن تثق في تلك النغمات المترددة التي تطرق بابك وإن لم تعرف كنهها بعد، ففيها يكمن جوهر الشخصيات التي ستخلقها في قصصك القصيرة.
من الماضي البعيد:
ولتكن أول نغمة على وترك، وجه تسكنه أنت، شخصية ما تثير اهتمامك بشكل ما، قد تكون فتاة رائعة من طفولتك، بدت لك متوهجة وجذابة بشكل لا يمكن نسيانه، وأضف إليها النغمة التالية: فتاة أخرى لها ملامح ومظهر الفتاة الأولى، واضبطها تتشاجر مع زوجها وتقسو على طفلها، ثم أضف النغمة الثالثة، لفتاة تبدو للوهلة الأولى متناغمة مع الفتاتين الأوليين لكنك تراها مغمورة وقادرة على ارتكاب أفظع الأمور بقلب بارد لا يهتز، وهكذا تجد أن اللحن كله قد تم.
ولقد اعترف نورمان ميلر بأن نصف شخصياته الخيالية، كانت لها نقطة مفارقة مع شخصيات حقيقية: كما أنني لا أحب الكتابة عن أناس قريبين مني، فذلك صعب، فحقيقتهم وواقعهم الخاص يتداخل بشكل كبير مع الواقع الذي يحاول المرء خلقه، وأفضل أن أرسم الشخصية عن أناس بالكاد أعرفهم.
فكل الشخصيات لها بداية ما في الواقع الحقيقي، وغالباً ما نعتقد أننا نعرفها ونفهمها، أو فشلنا في فهمها، ونأمل بعملية الكتابة أن نعرفها افضل، ومن الطبيعي أننا نكتب بشكل أفضل إذا كتبنا عن محيط أو بيئة نألفها بشكل كبير.
محاولة اغتيال نجيب محفوظ:
وفي عالمنا العربي، تعرض كاتبنا الكبير نجيب محفوظ لحادثة فريدة، إذ إنه استوحى بطل روايته السراب من أحد الأشخاص الذين كان على صلة بهم، وعرف هذا الشخص نفسه في الرواية، وذهب إلى الكاتب الكبير في مقهاه، وهو يحمل مسدساً، ويصر على الانتقام من نجيب محفوظ!
خزان الخيال:
وكان وت بيرنت يقول لتلامذته من الكتاب الشبان: ابدأ بملء خزان خيالك بكل ما يمكنك أن تجمعه من شخصيات في حياتك، لتستخدمها في المستقبل، وحين يمتلئ الخزان، افتح البوابات ودع الفيضان يسيل لما أنت على استعداد له؟، وحين تفعل ذلك، افعله بجرأة.
ويقـول فلوبير: على الكاتب أن يكون مختفياً في كل مكان في عمله، كالإله في السموات.
جماعات مغمورة:
إن الكاتب عادة يعبر عما يعرفه أكثر من غيره، فـمارسيل بروست كتب عن المجتمع الراقي، وقال مرة: إن تصوير سلوك الملكة كسلوك الخياطة يعتبر خديعة من الكاتب، إن الوسط الأكثر صلاحية لعمل الكاتب الذي يريد معالجة العواطف والوجدان والمآسي في تطورها الكامل هو المجتمع الراقي، ففيه تكمن الأسباب التي تسمح بأن تأخذ هذه الأمور مداها، ثم إن لغة هذا المجتمع غنية بدرجة كافية لجعلهم يعبرون عن أنفسهم بشكل جيد.
بينما اختار جوجول شخصياته من الموظفين الصغار الذين عمل معهم، وموباسان اختار الغانيات الفرنسيات اللاتي زودنه بالتسلية والترفيه من وقت لآخر، واختار تشيكوف أن يكتب عن الأطباء والمدرسين الذين يعرفهم بشكل أفضل.
وكما قال فرانك أوكونور إنه لم يكن عند معظم الكتاب الكبار بطل للقصة القصيرة، وإنما لها بدلاً من ذلك، جماعة خاصة، معزولة، لها مزاجها الذي يميزها عن غيرها، وهي جماعة تعاني من ألوان الضغوط الاجتماعية، وتسعى جاهدة لإيجاد متنفس أو خلاص، وليس من الضروري أن يكون الفقر المادي من بين هذه الضغوط ، فقد تكون فقيرة من الناحية الروحية، ويطلـق فرانك أوكونور على هذه الجماعات اسم : الجماعات المغمورة .
وتشيكوف كتب يوماًَ: لا ينبغي للكاتب أن يكون قاضياً، يحكم على شخصياته وحواراتها، ولكن أن يكون شاهداً غير متحيز.
وكتبت كاترين آن بورتر تقول: سر بصحبة شخصياتك كأنك تراها بعين خيالك تعيش وتتطور كأنها في الواقع، ثم إحك قصتها بكل الصدق والتعاطف والجدية قدر ما تستطيع.
أسماء الشخصيات:
وهناك عنصر آخر في الشخصية يتعلق باختيار الأسماء، ولقد كتب أندريه موروا مرة: إن الحياة تبدأ بالأسماء
وسيشعر الإنسان بالتأكيد أنه عريان ومجهول إذا سحب اسمه منه، لكن بالنسبة للكاتب، فإن الاسم الذي يختاره للشخصية، ليس هو الاسم الوحيد المناسب لها، وهناك كتاب كثيرون يغيرون أسماء شخصياتهم في منتصف العمل، مع تطور الأحداث والاتجاهات أثناء عملية الكتابة.
فالأسماء المحلية لا تصلح للتعبير عن شخصيات لها سمات أجنبية، كما أن الكتاب يستبعدون الأسماء الخيالية التي تستخدم في تمثيليات التليفزيون، كذلك يفضل البعد عن الأسماء التي توحي بالثروة والجمال أو القسوة.
ولابد أن تكون الأسماء مناسبة لخلفية قصتك الدينية أو الثقافية، المهم أن تجد الأسماء الناجحة المناسبة لشخصيتك، واستقر على الاسم الأكثر ملاءمة لصاحبه، أو لشعورك الخاص بألفتك مع الشخصية، ولا مانع من الاستعانة بدليل التليفون.
الراوي العليم.. وضمير المتكلم:
إن تطور الشخصية يرتبط بالطبع بوجهة النظر التي تبنيتها لقصتك، فإذا كنت تروي بلسان إحدى الشخصيات، فالأمر يبدو سهلاً، فأنت تركز على أفكار ومشاعر هذا الشخص، فنقل إحساس شخصية واحدة يبدو سهلاً، خاصة إذا كنت تروي القصة بضمير المتكلم، ففي النهاية نحن نعرف أنفسنا أفضل.
ولقد أشارت إيفي كومبتون ذات مرة قائلة: أعتقد أننا نعرف عن الآخرين أقل مما نظن، وستكون صدمة كبيرة أن يجد المرء نفسه خلف عين شخص آخر
ومع ذلك فإن المدخل الموضوعي لضمير الغائب قد يسمح بمدى أكبر من الاقتراب من عقول ونيات الشخصيات الأخرى، فالسرد بضمير المتكلم لا يتيح فرصة للرؤية في كل مكان، إلا عن طريق السماع، لكن بدون ضمير المتكلم، يمكنك أن تغطي وجهات نظر عديدة بما فيها الراوي العليم بكل شيء في قصتك.
قبل أن تبدأ الكتابة عن شخصية ما، بما فيها أنفسنا، لا تهم وجهة النظر، بقدر أهمية البحث عن الدوافع والأسباب لتصرفات الشخصية، بالحماس نفسه، الذي ينتاب كلباً يبحث عن عظمة مدفونة يعرف أنه سيصل إليها.
يجب أن تستحوذ علينا الشخصية ويجب أن نركز ما نعرفه عنها في السرد، بحيث يشعر القارئ في نهاية القصة أن أي تفسير آخر لما قدمناه لن يكون ممكناً.
ولكي نفعل ذلك ينبغي أن نتحرك بإبداع خلاق في القنوات التي حفرناها للشخصية.
ملاحظات تفيد في بناء شخصيتك:
1. يمكنك إضافة الحيوية والصدق والشرعية على شخصياتك بأن تدع شخصيات أخرى تتحدث عنها بشكل جيد أو رديء، بتعاطف أو نفور، قبل أن تظهر في المشهد أو بعده.
2. قف خارج شخصيتك وانظر داخلها ثم ازحف وتقمصها.
3. انظر إلى ردود أفعال شخصياتك وتبريراتها في سلوكك أنت، حاول أن تجد أخطاء أو فضائل أو عادات مشابهة داخلك، وحاول أن تفهمها جيداً، حتى ولو أدانتها.
4. جرب هذه الوسيلة الخيالية: ضع صفات شخصية ما في جسد شخصية أخرى، أعط فستان سيدة لسيدة أخرى، أعط أطفالاً لامرأة لا تنجب أطفالاً، وانظر كيف يؤثر ذلك على شخصيتها، لاحظ سلوك إنسان فقد من يهتم بهم، أو واحدة فقدت من كانوا يهتمون بها
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق