السبت، 10 يناير 2009

2- الحبكة والصراع والحل ..


123140

وماذا بعد؟


لقد وجدت الموضوع المناسب لبدء مغامرة الكتابة.. هنيئاً..

ولكن.. ماذا بعد؟

إذا تركت الصور والمشاهد تتوارد على ذهنك، تسجل بعضها، وتعتذر للبعض الآخر، هكذا بلا ترتيب أو نسق فني معين، وإنما عفو الخاطر، ودون وجود خريطة كاملة في ذهنك عمـا ستئول إليه الأحداث بعد قليل، فإن ذلك لا يمكن أن يؤدي في النهاية لقصة ناجحة.

وتطوير الموضوع إلى قصة قصيرة جيدة، ليس له طريق واحد معترف به، وإنما له قواعد رئيسية، وخطوط عامة تؤدي في مجموعها إلى أقصر الطرق وأفضلها للوصول إلى هذا الهدف.

هيكل القصة:

ومن هذه القواعد والخطوط يتكون هيكل القصة المتطور من الموضوع، وهيكل القصة يقوم على دعائم أساسية هي:
العقدة.
الصراع الناشئ عن العقدة.
الحل الناشئ عن الصراع.

وهذه الدعائم ليست مجرد تركيبة نظرية، لأنك إذا حلّلت آلاف القصص، فسوف تجدها كلها، أو معظمها، قائمة في هيكلها العام على هذه الدعائم نفسها، وما عليك إلا أن تتذكر آخر قصة قرأتها، ثم تتساءل بينك وبين نفسك: هل كان موضوعها ينطوي على عقدة؟ وهل كان البطل يواجه مشكلة معينة؟ وهل كانت هناك ظروف تدفع البطل إلى اتخاذ موقف معين؟ وأخيراً كيف استطاع البطل أن يواجه هذه الظروف ويخرج منها؟

العقدة:

العقدة أوالحبكة هي: الحدوتة التي تحكيها، الأزمة أو المأزق الذي يواجهه بطل قصتك، وكيف يمكنك أن تحافظ على توتر وحركة شخصياتك، وشد مشاركة القارئ إلى نهاية القصة، وهي الحبل الذي نعلق عليه حب الاستطلاع والتشويق والدراما والسلوك البشري والإحساس بالزمن، ودون الحبكة فمن الأرجح ألا يهتم القارئ كثيراً بمتابعة القصة للنهاية.

وقد تتفرع عن العقدة الأساسية عقد أخرى فرعية، ولكن ينبغي عدم التمادي في هذا الاتجاه حتى لا تفلت خيوط الموضوع من الكاتب، ولا يضيع الخط الرئيسي أو تبهت معالمه، بل الواجب أن تكون هذه التفريعات -إن وجدت- بمثابة الأعمدة أو الدعائم الصغيرة التي تسند الدعامة أو الخط الرئيسي لتقويته وإبراز ملامحه أكثر.

وتأتي العقدة بعد أن يختار الكاتب موضوعه والشخصية الرئيسية التي ستدور حولها أحداث القصة.

يقول البعض: إن الحبكة تبين قدرة الكاتب على التفكير في اتجاهات متعددة في الوقت نفسه وهو ما يحافظ على تطور قصته، وهي تشير أيضاً إلى أن حدود الخيال قد امتدت إلى ما وراء الحقائق والأحداث المعروفة وهو ما يميز القصة القصيرة عن التحقيق الصحفي.

الصراع ولحظة التنوير:

ومن جراء العقدة، وبسببها ينشأ الصراع ويتطور في اتجاهات مختلفة ومتباينة، مما يحتم في النهاية الوصول لحل لهذا الصراع.

ولنأخذ مثالاً:

انتهى حامد من امتحانات آخر العام، وهو الآن وحده في الحياة، بلا سند ولا معين، فقد ماتت أمه وكذلك أبوه، وهو مع كل ظروفه السيئة يريد أن يتزوج من زميلته في الجامعة، ولكن أهلها يرفضون.

أمامنا الآن حبكة جيدة، فالبطل حامد يواجه موقفاً صعباً، أو عقدة، مما سيدفعه للبحث عن حل، ومن هنا ينشأ الصراع، بين حامد والظروف من ناحية، وبينه وحبيبته وأهلها من ناحية أخرى، بل بين حامد ونفسه كذلك.

ويظل هذا الصراع يتطور عبر مراحل السرد المختلفة، فربما يلجأ حامد للتنازل عن درجته العلمية وشهادته ويرضى بعمل حقير لا يناسبه، وربما يرفض ويتشبث بشهادته ويظل يعاني الفقر والحاجة، ومن الممكن كذلك أن تقف حبيبته إلى جواره وتسانده وتتحمل ظروفه، والعكس أيضاً، فهي من الممكن أن تمل من طول الانتظار وتقرر أن تهجره.

ومن جراء الصراع، تتجه الأحداث نحو الانفراج، أو الحل النهائي لصراع البطل، أو ما يسميه كتاب القصة القصيرة: لحظة التنوير، وهي اللحظة التي تضع فيها الظروف والأحداث أوزارها، ويجد البطل نفسه عند خط النهاية.

وفي مثالنا، تتمثل لحظة التنوير في أن يجد حامد مثلاً عقد عمل يسافر به للخارج، ومن ثم يوافق أهل حبيبته على ارتباطه بها، أو يقوم بموقف رجولي معين يثبت من خلاله جدارته بالفتاة مما يدفع أهلها للموافقة عليه، أو حتى تتزوج الفتاة بآخر وتنتهي قصتهما معاً.

وقد تأتي الحبكة من الذاكرة، أو من ردود الفعل الذاتية للتجارب، أو من موقف استفزازي شاهدناه، ولكن مع ذلك ينبغي أن تكون صادقة ومؤثرة وممتلئة بإمكانيات الحركة والتنقل والاستيعاب.

قال الكاتب جان هجنز: في أعمالي المبكرة وقعت في مصيدة التفكير في الحبكة أولاً، ثم أخلق الشخصيات لتحقيقها، الآن أبدأ بتصور، ثم أخلق الشخصيات، وأدعها تقوم بتصرفاتها الطبيعية، وعمل الحبكة كما تحدث في الحياة.

فمهما كان مصدر إلهامنا، أو منبع قصصنا، لابد أن نتأكد من أننا نتبع منطق الشخصيات، ونحافظ على ذلك حتى النهاية.

تقول الكاتبة إليزابث بووين: إن الشخص المتأمل فقط، لن يكون كاتباً، لأن لحظات التأمل لابد لها من مخرج، فمداومة ملاحظة حيوات الآخرين، واستغراقه في مراقبة الرجال والنساء، وحبهم وآلامهم، وأفراحهم وأحزانهم، لن تتركه وحده، وستشغل كل وقته، فلابد للكاتب أن يجلس إلى نفسه، ويتمعن في نشاطات خياله الخاص، ليلعب اللعبة حسب قواعد هذا الخيال، آنذاك سيجلس إلى مكتبه ليكتب ما يستحق أن يكتب ويجد متعة في ذلك أيضاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق